أبرياء في مقاصل ومقابر الأحياء!

جاسم الشمري – كاتب عراقي

هنالك العديد من الأسس التي لا يمكن لأيّ دولة صافية أن تقوم من دونها، وفي مقدّمتها إنصاف الضعفاء وتطبيق العدالة، التي لا يمكن تصوّر حياة إنسانيّة هادئة وهانئة من دونها في أيّ مجتمع من المجتمعات!

وقبل أسبوع تقريبا أزيل الستار عن واحدة من أغرب الجرائم في التاريخ العراقيّ الحديث!

مقالات ذات صلة

وملخّص الحكاية أنّ امرأة عراقيّة اختفت في ظروف غامضة في محافظة بابل الجنوبيّة، وقدّم زوجها (علي الجبوري) بلاغا للشرطة بالحادث، وبعد فترة وجيزة اتُهم الزوج بقتلها، وأُجبر تحت ضغط التعذيب على الاعتراف بقتل زوجته. وظهر في التلفزيون الرسميّ ومثّل الجريمة أمام خبراء التحقيقات الجنائيّة، وأكّد أنّه أحرق زوجته ورمى بقايا جثّتها في أحد أنهار المدينة. وبعد محاكمة صوريّة حُكم على الزوج بالإعدام شنقاً!

أعلن الزوج بعد الإفراج عنه أنّه تعرّض للتعذيب بالكهرباء وللتهديد بتعذيب أمّه وأخواته وأبيه، قبل أن يعترف بقتل زوجته!

وحتّى الآن الحكاية ضمن المسار الطبيعيّ لغالبيّة التحقيقات في العراق، ولكنّ المفاجأة تمثّلت بظهور زوجة الجبوري بعد عدّة أشهر، وهي بتمام العافية!

وهنا أوقف حكم الإعدام، ودخلت الدولة من أعلى مسؤول فيها إلى أدنى موظّف أمنيّ في حيرة قانونيّة ومهنيّة وأخلاقيّة!

وأعلن الزوج بعد الإفراج عنه أنّه تعرّض للتعذيب بالكهرباء وللتهديد بتعذيب أمّه وأخواته وأبيه، قبل أن يعترف بقتل زوجته!

وبعد الضجّة الشعبيّة العامّة، التقى رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي، يوم 24 أيلول/ سبتمبر 2021، بالضحيّة، وأمر بتشكيل لجنة لمراقبة عمل المحقّقين، وتوقيف المسؤولين عن القضيّة إلى أن تبتّ السلطات القضائيّة بالحادثة.

وبعدها بثلاثة أيّام تناقلت وسائل إعلام محليّة خبراً عن ضحية جديدة للتعذيب يدعى حسن أسود، اعتقلته استخبارات الشرطة الاتحاديّة في كركوك قبل ثلاثة أشهر بتهم تتعلّق بالإرهاب، وبعد تعذيب مميت تبيّن أنّه اعتقل بسبب “تشابه أسماء”.

تناقلت وسائل إعلام محليّة خبراً عن ضحية جديدة للتعذيب يدعى حسن أسود، اعتقلته استخبارات الشرطة الاتحاديّة في كركوك قبل ثلاثة أشهر بتهم تتعلّق بالإرهاب، وبعد تعذيب مميت تبيّن أنّه اعتقل بسبب “تشابه أسماء”

وتسبّب تعذيب الضحية الجديدة بقطع أصابع يده اليسرى، وقطع إصبع واحد من يده اليمنى، ويسعى الأطباء إلى قطع بقيّة الأصابع بسبب الخوف من امتداد الضرر لباقي أجزاء الكفّ، فيما تعاني مناطق عدّة من الرأس والجسد من جروح خطيرة!

فهل هي معتقلات لتحقيق العدل، أم أوكار للانتقام؟

والتعذيب في السجون العراقيّة جزء من “سياسة العمل” بحسب المتحدّث باسم الأمم المتّحدة، ستيفان دوجاريك، الذي أكّد في الرابع من آب/ أغسطس 2021 أنّ أكثر من نصف المحتجزين الذين قابلتهم البعثة الدوليّة ذكروا روايات موثوقة وذات مصداقية عن تعرّضهم للتعذيب بالكهرباء، والتعليق من الخلف إلى السقف، وطرق أخرى للتعذيب.

وسبق للعراق أن انضمّ لاتفاقيّة مناهضة التعذيب، وقد شرع العمل بالاتفاقيّة بتاريخ 13 تموز/ يوليو 2009، وذلك “بغية مشاركة المجتمع الدوليّ في جهوده الرامية إلى مكافحة التعذيب”، حسب بيان الحكومة حينها.

والتعذيب هو أيّ عمل ينتج عنه ألم، أو عذاب شديد، جسديّاً كان أم عقليّاً، للحصول على معلومات أو اعترافات.

وتضمن الاتفاقيّة لمَنْ تعرّض للتعذيب أن يرفع شكوى إلى السلطات المختصّة، وأن تنظر السلطات في حالته على وجه السرعة وبنزاهة!

فهل نفّذت حكومات العراق المتوالية منذ العام 2009 وحتّى اليوم بنود الاتفاقيّة الموقع عليها؟

وينظر الكثير من العراقيّين للسجون على أنّها مقاصل للسجناء ومقابر للأحياء بين المدن، وهي أوكار مظلمة تشكو واقعا مريرا ومرعبا!

وقد كشف المتحدّث باسم وزارة العدل العراقيّة، أحمد لعيبي، يوم الأحد الماضي عن وجود أكثر من 50 ألف سجين، تتراوح أحكامهم بين الإعدام والمؤبّد وغيرها، وما يقارب 20 سجناً، وأنّ الوزارة تعمل على بناء سجون جديدة في بغداد والكوت وكركوك، وتسعى لتأهيل وتوسيع السجون في الناصرية والبصرة!

الدول الراقية تتباهى بانحسار الجرائم والرفاهية والعمران والتطوّر والنموّ الاقتصادي ومكافحة الفقر، ولا تفتخر بالجرائم المنظّمة وإعمار السجون واكتظاظها، ومعدّلات الفقر المذهلة، وغيرها من المآسي الإنسانيّة!

إن هاتين الحادثتين قلبتا ملفّ العدالة في العراق رأسا على عقب، وأعادتا للأضواء التحذيرات المتكرّرة التي صدحت بأنّ غالبيّة الاعترافات مع معتقلي القضايا الخطيرة تنتزع بطرق لا علاقة لها بقوانين العدل والإنسان!

إنّ هاتين الحادثتين قلبتا ملفّ العدالة في العراق رأسا على عقب، وأعادتا للأضواء التحذيرات المتكرّرة التي صدحت بأنّ غالبيّة الاعترافات مع معتقلي القضايا الخطيرة تنتزع بطرق لا علاقة لها بقوانين العدل والإنسان!

هذه التطوّرات الكارثيّة مناسبة ملائمة لإنصاف الأبرياء في السجون والمعتقلات، ولتحجيم دور القوى الإرهابيّة المتدثّرة بلحاف القانون وحجّة مكافحة الإرهاب!

لننصف المظلومين في داخل السجون وخارجها، ولننهي الكوارث المجتمعيّة التي تساهم في دوام الخراب، ولنعالج معا الممارسات الخطيرة الضاربة للوطن والمواطن.

ما أسعد الشعوب التي تجد من يُنصفها، وما أتعس الشعوب المظلومة!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى