الاقتصاد والإنسان

ا. د. محمد طاقة

منذ بدء الخليقة كان الانسان في صراع دائم مع الطبيعة وفِي حينه كانت الطبيعة مسيطرة على الانسان وعلى سلوكه وعلى مقدراته كونه لايملك المعرفة الكافية لفهم حركة الطبيعة ولا يمكن له ان يجد تفسيرات منطقية للظواهر الطبيعية كونه إنسانا بدائيا ووسائله بدا ئيه هي الاخرى.
وفِي هذه الحقبة من الزمان لم يكن للملكية وجود. كل شيء مشاعي وبدائي. وكان الانسان همه الوحيد هو الاستمرار بالحياة
وكان الصراع من اجل البقاء.
حتى ظهرت الملكية فبدا صراعا جديدا بين الانسان والطبيعة من جهة وبين الانسان والملكية والتملك من جهة ثانية. وفِي هذه الفترة بدا الانسان يعمل من اجل زيادة ملكيته وتعاظمها. وبعد التطور التاريخي للمجتمعات الانسانية منذ مرحلة المشاعية مرورا بمرحلة العبودية والإقطاع وصولا الى المرحلة الرأسمالية وابتداء من المرحلة المركنتيلية والتي تميزت بحاجة الغرب الى البحث عن أسواق لتصريف منتجاتهم. فكان لابد من التوجه الى الشرق والاستفادة من هذه الاسواق فضلا عن الحصول على الذهب والفضة وغيرها من المعادن النفيسة. ومن هنا بدأت عملية التراكم الراسمالي وتعظيم الأرباح.
فمنذ بدء الملكية أصبحت الملكية ورأس المال اكثر أهمية من الانسان.
ففي مرحلة العبودية استغل الانسان واستخدم كقوة واداة للعمل وفِي المرحلة الإقطاعية استخدم الفلاحين كوسيلة واداة للعمل من اجل تحقيق أهداف الاقطاعيين وهكذا في جميع مراحل التطور الرأسمالي استغل الانسان وقوة عمله لتحقيق اعلى معدلات من الأرباح وتحقيق التراكم الراسمالي من خلال تحقيق فائض القيمة.
فهذه طبيعة النظام الراسمالي تعمل على استغلال الانسانية من اجل تحقيق مصالحها والمتمثلة بتعظيم راس المال.
ان عملية الاستغلال أصبحت عملية تلقائية لاتتمكن المنظومة الرأسمالية تجاوزها على الاطلاق فهي جزء أساسي من تكوينها وطبيعتها.
وبالرغم من التطور العلمي والتكنولوجي الذي وصلت اليه البشرية لن يتمكن الانسان من السيطرة على الطبيعة وإخضاعها الى رغباته فلا زالت الطبيعة أقوى من الانسان ولن يتمكن الانسان من حل كل اسرارها وألغازها.
فإنفجار بركان قد يؤدي الى قتل الآلاف من البشر ويدمر ممتلكاتهم وحصول سونامي سينهي حياة الآلاف من البشر ويدمر ممتلكاتهم او زلزال او اعصار من هذه الاعاصير يدمر مدن بكاملها كما يحدث في امريكا وبقية مدن العالم.
فالطبيعة لازالت هي الاقوى فهي أقوى من راس المال وهيمنته.
فالصراع الفكري بين أيهما اهم الانسان ام الاقتصاد لازال مستمرا بين الكثير من المدارس والمذاهب فالمنظومة الرأسمالية تعطي أهمية اكبر للاقتصاد على حساب الانسان متبنية النظرية المالثوسية للسكان. وهذا ما نجده في كل مراحل تطورها والى يومنا هذا. والاشتراكية تعطي قيمة للإنسان وتميزه عن بقية عناصر الانتاج كونه صانع القيمة.
فالصراع القائم اليوم بين الدول العظمى هو من اجل الهيمنة على الاقتصاد العالمي حتى لو كلّف ذلك قتل الملاييين من الشر.
وبالتاكيد ان هذا الصراع كلّف البشرية الشيء الكثير ومن النواحي الانسانية والاجتماعية والاقتصادية والنفسية هذا اذا علمنا ان جميع الحروب في العالم اساسها وبواعثها اقتصادية.
وما يجري الان في منطقة الشرق الأوسط لا يخرج عن هذا الإطار.
ان ما قدمته شعوب هذه المنطقة وبالأخص الامةً العربية من استنزاف مادي وبشري هائل كل ذلك من اجل تحقيق اهدافهم الاقتصادية دون الاكتراث لحياة الانسان.
كل ذلك يؤكد ان الصراع القائم بين الصين ومحورها وأمريكا ومحورها هو من اجل تحقيق مصالح اقتصادية بحتة وعلى حساب الانسان والإنسانية.
ان وباء كورونا يؤكد الى ما ذهبنا اليه فالجميع وقفوا حائرين من تحديد موقفهم بين أهمية الانسان واهمية الاقتصاد الأكثرية فظلوا الاقتصاد على الانسان خوفا من الانهيار الاقتصادي الوشيك الحدوث اذا استمر الحجر لمدة طويله فقرروا فتح الحجر وليمت ملايين البشر لان الاقتصاد عندهم اهم من الانسان.
واسال أنفسنا ماذا يخسر الفقراء والمعوزين وذوي الدخول المحدودة من عمال وكسبة وطلبة ومسحوقين وماذا يخسر اكثر من من خمسة مليار إنسان الذين يعيشون على سطح الارض وباحوال غير إنسانية اذا انهار هذا النظام الاقتصادي الدولي اللعين فليذهب الى الجحيم هذا النظام البائس المهيمن على حياتنا ويحدد مستوى معيشتنا.
فليعلم الجميع ان لولا الانسان ووجوده في هذا العالم لما كان هنالك حياة ولا كان هناك اقتصاد فالإنسان هو الصانع والمنتج والمبدع خلقه الله تعالى ليعمل من اجل الانسانية وحمايتها وحماية الطبيعة من الهلاك والاستخدام المَنحرف لها.
علما ان وباء كورونا والحجر الذي حدث بسببها كانت الطبيعة المستفيدة الوحيدة من هذا الوباء حيث أنقذها من عبث الانسان ًبها وأنقذها من مخلفات السيارات والطائرات والمعامل وبقية النفايات وغيرها.
ولم يوجد الانسان من اجل خدمة راس المال وتراكمه بيد مجموعة محدودة من البشر وتستخدمه ضد الانسانية.
ان لانسان وعمله هو الذي يخلق القيمة وهو صانعها لذلك يجب ان يكون له قيمة عليا تميزه عن بقية الاقيام ويجب ان نحافظ عليه ونرعاه وان نعطيه حقوقه ونوفر له سبل العيش الرغيد.
حتى يتمكن من العطاء اكثر وينتج اكثر ويخدم البشرية اكثر بالرغم من معرفتنا باهمية الاقتصاد لحياة الانسان.
ان وباء كورونا هذه الجائحة المهلكة يجب ان توحد الإنسانية وتوحد جهودها من اجل القضاء عليها وبعدها بالإمكان معالجة ما تخلفه كورونا. من اثار اقتصادية
فلتخسر الرأسمالية من ماحققته وجنته من أموال عبر الازمان من اجل إنقاذ الانسانية من الهلاك فلتتوحد الجهودمن اجل إنقاذ الانسانية.

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى