البطالة وجائحة كورونا

ا. د. محمد طاقة

تمثل قضية البطالة، في الوقت الراهن، إحدى المشكلات الأساس، التي تواجه دول العالم مع اختلاف مستويات تقدمها وأنظمتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وبخاصة في ظروف من أصعب الظروف، التي واجهت العالم، منذ مئات السنين.
هو اجتياح الوباء القاتل والمدمر للاقتصاد والإنسان، في وقت واحد.
ولعل أسوأ وأبرز سمات الأزمة الاقتصادية العالمية، التي شملت دول العالم كلها جراء غلق النشاط الاقتصادي هي تفاقم مشكلة البطالة.
والبطالة مؤشر رئيس للأداء الاقتصادي، فالاقتصاد، الذي يعاني من بطالة عالية ودائمة يفقد موارده المنتجة. والبطالة تزداد وتنخفض تبعاً لحدوث الدورة الاقتصادية. تنشأ البطالة، عادة، من عدم التوازن بين عرض العمل والطلب عليه وعدم تكافؤهما بسرعة يفضي إلى أن نشوء البطالة، التي تمثل الفرق ما بين كمية العمل المعروضة وكمية العمل المأجورة.
إن التزايد المستمر في عديد الأفراد ممن هم في سن العمل والقادرين على العمل والراغبين فيه والباحثين عنه من دون ان يعثروا عليه فهؤلاء في حالة بطالة.
وبعد الرجوع إلى أشكال البطالة نجد ان البطالة تتخذ أشكالا وصورا شتى. فهناك ما تسمى البطالة الاختيارية والبطالة المقنعة والبطالة الاحتكاكية والبطالة الموسمية والبطالة الفنية والبطالة الهيكلية وأخيراً البطالة الناشئة من الدورات الاقتصادية.
أما البطالة الناشئة بسبب فايروس كورونا فهي بطالة من نوع غير مسبوق على الإطلاق ولا يمكن تصنيفها ضمن الأشكال، آنفة الذكر. ويمكنني هنا ان اسميها البطالة الإجبارية أو البطالة الكارونية كون هذه البطالة حدثت من دون رغبة بائعي العمل ولا مشتري العمل.
إن هذه البطالة من نوع جديد وهي غير مطروقة كون العمال تَرَكُوا أعمالهم ليس بإرادتهم وكذلك أرباب العمل سرحوا العمال من دون رغبتهم وذلك كله بسبب غلق النشاط الاقتصادي بمجمله لغرض مواجهة الوباء المدمر.
ومن المرتقب ان يواجه سوق العمل أسوأ أزمة عالمية، منذ الحرب العالمية الثانية، وسيكون لها أثر مدمر على العمال وارباب العمل مما ستؤدي إلى خسائر فادحة في الوظائف وفِي الانتاج وفِي جميع القطاعات الاقتصادية.
وتسببت هذه الجائحة بوجود أكثر من ٢٥ مليون أمريكي على قوائم البطالة في غضون ثلاثة أسابيع ومن الممكن ان يصل معدل البطالة في امريكا إلى ١٥ بالمئة. وان اكثر القطاعات تضررا هو قطاع السياحة والسفر علما ان هذا القطاع يسهم بنسبة ٤ بالمئة من النمو العالمي وان عدد العاملين فيه العام ٢٠١٨ كان بحدود ٣١٩ مليون شخص وذلك يمثل ١٠ بالمئة من العمالة العالمية.
إن تداعيات الأزمة على قطاع السياحة مهولة جدا، فالتقديرات الأولية تشير إلى ان هذا القطاع يخسر شهرياً اكثر من مليار يورو. ويليه القطاعات الأشد أثرا بسبب الجائحة وتراجع الإنتاج فيها قطاع الغذاء والفنادق ١٤٤ مليون عامل
وقطاع البيع بالجملة والتجزئة ٥٨٢ مليون عامل وقطاع الخدمات والأعمال والإدارة ١٥٧ مليون عامل وقطاع التصنيع ٤٦٣ مليون عامل وهي جميعها تشكل ما نسبته ٣٨ بالمئة من التوظيف العالمي، علماً أن جميع هؤلاء العمال يشعرون بالخوف والقلق على مصيرهم ومصير دخولهم.
اننا امام أزمة عالمية غير مسبوقة ولها اثار اقتصادية خطيرة اذا استمر الحال لمدة طويلة وقد تؤدي إلى حدوث كساد عالمي لا يحمد عقباه، فهنالك اكثر من مليار عامل بالعالم مهددون بتقليص أجورهم أو فقدان وظائفهم فالبطالة تهدد مصادر رزق سكان العالم بسبب وقف مئات، بل آلاف المصانع الكبرى وعشرات الآلاف المشروعات الصغيرة والمتوسطة في أنحاء العالم وهذا سيؤدي إلى تفاقم الفقر إلى مستويات قياسية. وهذا كله سيؤدي إلى دمار اقتصادي واجتماعي خطير مما يجعلنا ننتظر مستقبلاً قاتماً للاقتصاد العالمي. وبسبب حجم هذه البطالة غير المطروقة، فان الطلب الفعّال سيأخذ منحنى سالباً نظرا لتناقص القوة الشرائية بسبب البطالة المتفشية وهذا ما يدفع المنتجين إلى تقليص إنتاجهم وفِي حالتنا فان المنتجين توقفوا وبنسب مختلفة عن الانتاج.
وهذا أدى الى تسريح العمال بإعداد غفيرة. وذلك سيؤدي إلى هبوط الأسعار والطلب إلى الحد الأدنى وتكون نتيجة ذلك هبوط الدخل القومي ويحدث الانكماش
ذلك كله سيرمي اكثر من مليار شخص في جميع أنحاء العالم إلى براثن الفقر. مما سيكون له تأثير كبير على القضايا الاجتماعية والتي تعكر صفو حياة الأفراد. وان الكثير من المشكلات الاجتماعية، بل الجرائم اليومية: السرقة. والقتل. وغيرها من الجرائم، التي تشهدها المجتمعات. وفِي حالة استمرار الوضع، على ما هو عليه، الان، ستتضاعف هذه الجرائم وبكل أنواعها. مما يشكل خطورة كبيرة على الأمن العام العالمي.
ومن اجل معالجة الوضع الذي سببته جائحة كورونا وإيقاف التدهور الاقتصادي والبطالة بنحو خاص يتطلب اتخاذ إجراءات غير تقليدية وبما يتناسب وحجم الكارثة وطبيعتها وخصوصيتها النادرة. فلابد، فِي مثل هذه الحالة، يجب ان تتظافر جميع الجهود الدولية وبتنسيق وبعمل جماعي اقتصادي واجتماعي وصحي والابتعاد عن تسييس الموضوع. وتكثيف الجهود الدولية من اجل إيجاد العلاج وبأسرع وقت للحد من انتشار هذا الوباء مما سيعيد الوضع النفسي والاجتماعي لجميع البشر. والعمل على الحد من البطالة من خلال فتح النشاط الاقتصادي وبنحو تدريجي وعلى وفق الضوابط التي تطلبها منظمة الصحة العالمية WHO والالتزام بمبدأ التباعد الاجتماعي وغيرها من الضوابط. اخذين بنظر الاعتبار الانسان اولا والحفاظ عليه وعلى سلامته وصحته. مما سيؤثر ذلك على تعزيز القوة الشرائية وزيادة الطلب على السلع والخدمات وهذا بدوره سيؤثر على تحريك عجلة الانتاج وإعادة النشاط الاقتصادي.
وهنا لا بد من تدخل الدولة وبكل ثقلها في دعم المؤسسات والشركات الكبرى بدعم مالي حتى يتمكنوا بالاستمرار بدفع الاجور للعاطلين عن العمل وتقديم الدعم المستمر لجميع العاطلين عن العمل وذلك من خلال التسهيلات المصرفية
والإعفاءات من الرسوم والضرائب وتأجيل مواعيد دفع القروض وفوائدها مما لها أثر كبير في الحفاظ على التوازن الاجتماعي والنفسي للعمال والموظفين.
وهذا يعني ان الدول ستمول مجتمعاتها بمبالغ ضخمة قد تتجاوز ال. ٦ ترليون او اكثر مما يوقعنا في مشكلة التضخم كون الإنتاج الكلي، اي العرض الكلي، لن يحاكي الطلب الكلي مما يؤدي الى ارتفاع الأسعار.وفِي هذه الحالة سنقع في مشكلة التضخم الركودي.
وبالنسبة للوضع الاقتصادي الدولي الحالي فالنظرية الاقتصادية ستكون عاجزة عن وجود حل اقتصادي بسبب وجود البطالة وهي في حالة ازدياد وفي الوقت نفسه إيقاف النشاط الاقتصادي برمته مما اثر على الإنتاج فطالما يستمر الوباء وينتشر ستبقى المشكلة الاقتصادية قائمة.
ولكون البنى التحتية التي يعتمد عليها الاقتصاد لن تصاب بأذى ولن تتأثر كما يحدث خلال الحروب والكوارث. فسيصبح من الممكن ان يعود النشاط الاقتصادي ويتعافى، خلال مدة ليست بالطويلة، في حالة القضاء على الوباء الخطير.

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى