التوتر بين أذربيجان وإيران، أبعاده ومآلاته

د.ناجي خليفة الدهان

تصاعد التوتر بين إيران وأذربيجان، مطلع شهر تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، مع مشاهد حشد القوات الإيرانية وإجراء المناورتين على الحدود مع أذربيجان. وبالمقابل شهدت المنطقة مناورات عدة زادت من سخونة التطورات والمخاوف، منها ثلاث مناورات بين تركيا، وأذربيجان، وبين تركيا وباكستان، وأذربيجان، وبين تركيا، وأذربيجان، وجورجيا، وفي ضوء هذه التوترات كانت الحكومة الأذربيجانية قد فرضت رسوماً مشددة على الشاحنات الإيرانية المتجهة إلى أرمينيا.

وجاء هذا التصعيد ليفتح باب التساؤلات:

تساءل الرئيس الأذربيجاني: “لماذا الآن؟ ولماذا على حدودنا؟”، مضيفًا في حديثه لـ”الأناضول”: “لماذا يتمّ ذلك بعد أن حررنا هذه الأراضي بعد 30 عامًا من الاحتلال؟”.

مقالات ذات صلة

 ويمكن أن نضيف سؤالين:

 ما هي طبيعة العلاقة بين البلدين الجارَيْن وما أبرز أسباب التوتر المستمر بينهما؟

ما هي الأسباب الكامنة خلف هذا التوتر؟

يبدو أن الانتصار التاريخي الذي حققته أذربيجان خلال حرب قره باغ الثانية، العام الماضي، الذي تكلل بالاتفاق بينها وبين أرمينيا برعاية روسية ودخل حيز التنفيذ في 10 من نوفمبر/تشرين الثاني 2020، ويقضي بإعادة مناطق أذربيجانية كانت قد احتلتها أرمينيا منذ أغسطس/آب 1993، لعل المكاسب الجيوسياسية التي حققها الأذر في تلك الحرب أثارت حفيظة الإيرانيين على وجه التحديد، الذين أبدوا تخوفاتهم بشأن تغيرات محتملة في خريطة المنطقة قد تهدد نفوذهم ومصالحهم في تلك المنطقة الاستراتيجية التي تعد مصدرًا وممرًا عالميًا للطاقة.

كما خسرت إيران الكثير من نفوذها في منطقة القوقاز بعد حرب العام الماضي في ناغورني قرة باغ لصالح منافسين آخرين، وبعد مرور عام على الحرب التي استمرت أربعًا وأربعين يومًا بين أرمينيا وأذربيجان بشأن إقليم ناغورني قرة باغ، ثمّة صراع آخر يتشكّل في منطقة القوقاز. وهذه المرّة تصاعدت التوترات بين إيران وأذربيجان في أعقاب إلقاء باكو القبض على سائقي شاحنات إيرانيين، وتدريباتها العسكرية المشتركة مع تركيا وباكستان.(1)

رغم أنه من المستبعد حدوث مواجهة واسعة النطاق بين البلدين، فإن هذا الوضع المشتعل يدل على التوترات الدفينة القوية في المنطقة. فقد فقدت إيران نفوذها نتيجة لصراع العام الماضي، بينما تعزّزت مكانة عدوها اللدود تركيا القوة المنافسة لها في المنطقة. كما أن التركيب العرقي المعقد، ووفرة موارد الطاقة، والتقاطع بين طرق التجارة العالمية الآخذة في التوسع، كل ذلك يعني أن التدافع نحو الهيمنة على منطقة القوقاز سوف يستمر، ومن أهم أسباب التوتر المتصاعد ما يلي:

  1. التحديّ القوميّ، يشكّل الأذر ما نسبته (15-20%) من إجمالي سكان إيران البالغ عددهم (84) مليون نسمة، وذلك وفقاً للتقديرات المتفاوتة، وهو ما يجعل منهم ثاني أكبر مكوّن في البلاد شمال غرب إيران، وهي المحافظات المحاذية لجمهورية أذربيجان “أذربيجان الجنوبية”. ومنذ تأسيس جمهورية أذربيجان بدأت تتصاعد بين الأذر في إيران النظرة لها باعتبارها امتداداً قوميّاً لهم. مما فرض تحدياً على إيران التي بادرت لاتخاذ التدابير لتقييد التواصل بين الأذريين من الجانبين، في أذربيجان وشمال إيران.
  2. استضافة أذربيجان لمجموعة من تنظيمات المعارضة الأذرية التي تطالب بالانفصال عن إيران. وأبرزها “حركة الصحوة الوطنية لأذربيجان الجنوبية”، التي تأسست عام 2002، والتي كانت قد تسببت بأزمة دبلوماسية بين البلدين في العام 2013، عندما قامت بتنظيم فعالية لبحث قضية الأذريين في إيران والمطالبة بانفصال المحافظات الأربع التي يقطنون بها. وتوجد في أذربيجان أحزاب وكذلك تيار قومي أذربيجاني يساندون المجموعات الأذرية الإيرانية، ويطالبون بتوحيد ما يسمى بـ “أذربيجان الشمالية” (أي جمهورية أذربيجان) مع “أذربيجان الجنوبية” (أي محافظات: أذربيجان الغربية، وأذربيجان الشرقية، وزنجان، في إيران).
  3. الدعم التركي الواسع والمعلن لأذربيجان في حربها، مع أرمينيا في مرتفعات “قرة باغ”، أواخر العام 2020، وما رافق ذلك وأعقبه من خطوات لتعزيز العلاقات والشراكة بين تركيا وأذربيجان (بما في ذلك زيارة أردوغان للمشاركة في مراسم الاحتفال بالنصر) ليعزز القلق والمخاوف الإيرانية من تصاعد الحضور التركي في منطقة القوقاز التي تنظر لها إيران باعتبارها خاصرة لها ومنطقة حساسة بالنسبة لأمنها القومي.
  4. طُرُق المواصلات. تمكنت أذربيجان عقب الحرب من السيطرة على جزء من طريق “جوريس – كابان”، الرابط بين إيران وأرمينيا، ما أدى إلى بروز المخاوف لدى إيران من احتمالية إغلاق الطريق الهامّ لحركة الصادرات الإيرانية باتجاه البحر الأسود وشرق أوروبا، وهو ما تجسّد فعلاً مع بدء الإجراءات الأذربيجانية في العام 2021 بالتحكم في حركة مرور الشاحنات عبره. وبإمكان تركيا الوصول إلى بحر قزوين (ومن ثم باتجاه آسيا الوسطى والصين) عبر أذربيجان، وهو ما يعني تجاوز الحاجة للمرور عبر الأراضي الإيرانية.
  5. من وجهة نظر إيران فإنّ أخطر أوجه هذه العلاقة كان التعاون العسكري والأمني بين أذربيجان وإسرائيل، وهو ما يمنح إسرائيل إمكانية التمركز أمنياً وعسكريّاً عند الخاصرة الشمالية الغربية لإيران، وجدت إسرائيل في أذربيجان مصدراً لاحتياطيات كبيرة من النفط يمكن استيرادها، فضلاً عن أهمية موقعها من النواحي الأمنية والعسكرية، وخاصة بسبب وقوعها مباشرةً على الحدود الشمالية لإيران. وتبرر إيران خشيتها من إمكانيّة استغلال إسرائيل القواعد العسكرية الأذربيجانية في أيّ حرب مقبلة مع إيران .(2)

سيناريوهات الصراع المتوقعة:

        إن التوتر الحاصل بين إيران وأذربيجان له خلفيات تاريخية وأطماع إيرانية، نشطة هذه الأطماع بعد استقلال أذربيجان عن الاتحاد السوفيتي عام 1991، تحاول إيران استغلال البعد الطائفي بين سكان  أذربيجان، بما يؤدي للمساهمة في تعزيز الرابطة الولائية لإيران على حساب القومية، ما يمنح إيران بالتالي مزيداً من النفوذ في أذربيجان، يوازي التهديد القومي الأذربيجاني في إيران.

تتحرك إيران على مستويات عدّة بهذا الصدد؛ فهي مثلاً تستقطب الطلاب من أذربيجان للدراسة في حوزاتها. وفي مطلع العام 2016 جرى الانتقال إلى مستوى جديد مع إنشاء “الحركة الإسلامية الأذربيجانية”، والمعروفة بـ “حسينيون”، وهي ميليشيا ولائية لإيران وهي أذريّة، تأسست في مدينة قُم الإيرانية، بقيادة  “توحيد إبراهيم بيغلي”. وتبدو هذه الحركة كورقة يمكن لإيران استغلالها وتوظيفها في أي مواجهة مع أذربيجان، ومن السيناريوات المتوقعة:

  1. السيناريو الأول يشير إلى احتمالية الولوج في مستنقع المواجهات العسكرية بين البلدين، لكن هذا السيناريو الذي ربما يكون مستبعدًا، مرتبط بشكل كبير بإقدام “إسرائيل” على توجيه ضربة جوية للمنشآت النووية الإيرانية، عبر الأراضي الأذربيجانية، ومنذ عام 2000 تهدد تل أبيب بشن هجمات ضدّ مواقع إيرانية دون تنفيذ أي منها، وهو التهديد الذي يغازل الشارع الإسرائيلي والخليجي أكثر منه انعكاس لتوجه عام رسمي.
  2. السيناريو الثاني، فيتوقف على سرعة خطوات التنسيق والتعاون بين المحور الثلاثي (أذربيجان وتركيا وجورجيا) وهو المحور الذي صعد من أفق تناغمه عسكريًا خلال الآونة الأخيرة بتدشين 3 مناورات متتالية، أرسل من خلالها رسائل تحذير وطمأنة في الوقت ذاته.

لقد كانت تملك إيران رفاهية التنويع في ضغوطها على الأذربيجانيين، لكن المعادلة اليوم تغيرت تمامًا، ومن ثم فإن طهران ستفكر ألف مرة قبل أن تقدم على أي عمل ضد باكو.

  1. السيناريو الثالث. تسعى إيران لدعم حقيبتها بالكثير من أوراق الضغط قبل الجلوس إلى طاولة المفاوضات بشأن إحياء اتفاقها النووي، خاصة في ظلّ التصريحات الأخيرة في جولات التفاوض لعودة الاتفاق النووي الجارية في فينا الآن، وذلك عبر المناكفات السياسية و”إثارة المشاغب” هنا وهناك.

يحاول الإيرانيون الخروج بأكبر قدر ممكن من المكاسب خلال فترة الجمود السياسي التي تحياها مباحثات فيينا، على أمل تعزيز موقفها التفاوضي مع انطلاق المسار مرة أخرى، وهي الاستراتيجية التي يتبعها النظام الإيراني في أكثر من ملف، في العراق، واليمن، وليبيا، وسوريا، ولبنان، وأخيرًا جنوب القوقاز.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى