الحروب واتفاقيات الحدود العراقية الإيرانية وأثرها في العلاقات بين البلدين

الجزء الثالث

الاتفاقية الدولية أو المعاهدة، هما مصطلحان بمعنى واحد، (اتفاق مكتوب بين شخصين من الأشخاص الدولية وينشئ حقوقاً والتزامات متبادلة في ظل القانون الدولي العام، أو هي عبارة عن اتفاق يعقد بين شخصين أو أكثر من أشخاص القانون الدولي العام، وترمي إلى إحداث آثار قانونية معينة.)
كان عدد الدول في الماضي محدودا جدا، أما العصر الحديث فهو نتاج مقص استعماري مارسته الدول الأوربية على مستعمراتها، بدءً من عصر النهضة وتطور الصناعة وما نجم عنه من تنافس الدول الأوربية على الثروات الطبيعية والمواد الخام، وكذلك البحث عن أسواق لتصريف منتجاتها الصناعية، فتم احتلال قارات بكاملها وإخضاعها لسيطرة الدول الصناعية الصاعدة، حتى تحولت مع نمو قوتها الاقتصادية ثم العسكرية لحماية تجارتها وخطوط مواصلاتها، إلى نواة العصر الاستعماري القديم الذي استمر حتى يومنا هذا، وعلى الرغم من أن الاستعمار القديم الذي كان يعتمد على الاحتلال العسكري، يفترض أنه انتهى منذ عدة عقود، إلا أن احتلال الولايات المتحدة لدول كثيرة في النصف الثاني من القرن الماضي، وما زال الاحتلال جاثماً في كل من أفغانستان والعراق، يُعد عودة لعهود الاحتلال الاستعماري المباشر للدول الاخرى، على الرغم من أن الجمعية العامة للأمم المتحدة كانت قد اتخذت قرارها المرقم 1514 في 14 /12 / 1960م، بتصفية الاستعمار ومنح الشعوب حق تقرير المصير، وعلى الفور طورت الدول الاستعمارية من أساليبها في الهيمنة على الدول الأخرى، عن طريق الاستثمارات الاقتصادية التي تنفذها شركات تابعة للدول الاستعمارية ذاتها، حتى بدأت حالة التململ بين شعوب الأقاليم التي خضعت للسيطرة الاجنبية، وعندها رأت الدول الغازية أن بقاءها في الأقاليم المحتلة باهض التكاليف، فاعتمدت مبدأ تقسيمها إلى كيانات صغيرة على أسس قبلية أو عرقية أو دينية أو مذهبية، لتسهل عملية السيطرة عليها، وجاءت اتفاقية سايكس– بيكو لعام 1916م، لتكشف عن وعي مراكز التخطيط السياسي في الدول الاستعمارية لأهمية تفتيت المنطقة، ولا تُعرف حدود الدول التي اخضعت لاتفاقية سايكس بيكو إلا على الخرائط، لعل تلك الاتفاقية وبمعايير اليوم نموذج متواضع لما يخطط له الغرب للعالم الثالث، وما حصل في آسيا وأفريقيا منذ الحرب العالمية الثانية وحتى اليوم، إلا تعبير عن عزم الدول الاستعمارية، على تفتيت الدول الكبيرة المساحة أو السكان أو كليهما معا، وتحويلها إلى كيانات صغيرة تتقاتل فيما بينها على الحدود وعلى المصادر الطبيعية.
إن كثرة عدد الدول في الوقت الحاضر عقّدت كثيرا من طرق رسم الحدود فيما بينها من الناحية السياسية، على الرغم من تطور الوسائل التقنية التي بإمكانها اختصار الزمن واختزال الخطوات على طريق الترسيم، إلا أن التداخل في أراضي الدول الناشئة حديثا وتضارب المصالح بين دول كانت حتى وقت قريب جزءا من دولة واحدة، أدى في واقع الحال إلى بروز مشكلات إضافية كانت تعّقد من امكانية ترسيم الحدود فيما بينها، كما حصل في أقاليم الدولة العثمانية، ولاحقا مع المستعمرات البريطانية والفرنسية والهولندية التي استقلت فيما بعد في أفريقيا وآسيا مثل شبه القارة الهندية، أو كما هو حال الدول التي كانت دولة واحدة كما حال جنوب شرقي آسيا، ويمكن للمشهد أن يتكرر في دول كثيرة، ما لم تعالج الأزمات الداخلية التي تفتعلها قوى خارجية، أو النائمة مثل قضايا الأقليات الدينية والمذهبية والعرقية، والتي يراد لها أن تكون سببا في تفتيت الكثير من دول العالم، وخاصة البلدان الفقيرة في آسيا وأفريقيا التي تعتبر خزانا هائلا لهذه الأزمات القابلة للتحريك عند الضرورة.
كما قلنا يتميز عصرنا بكثرة الدول فيه، وتباين النظم السياسية والدستورية والقانونية بين تلك الدول، على خلاف ما كان سائدا في العالم القديم، الذي كانت تحكمه دولتان أو أربع دول على أكثر تقدير في معظم الأحيان، والسلطة تنحصر حينذاك بيد الملوك والقياصرة والأباطرة والسلاطين، نعم عالمنا اليوم وحتى وقت قريب كان يحكمه مركزا استقطاب رئيسان في معظم الأحيان، حتى تاريخ انهيار الاتحاد السوفيتي وبروز الولايات المتحدة كمركز استقطاب أوحد، ولكن عدد الدول المرشحة للقفز إلى الواجهة كبير، فالصين التي كانت محرومة من احتلال مقعدها في الأمم المتحدة حتى عقد السبعينات من القرن الماضي، والتي ظل شعبها يعاني المجاعات الدورية في النصف الأول من القرن الماضي وحتى انتصار المسيرة الكبرى، التي قادها الزعيم الصيني ماو تسي تونع عام 1949م، ثم تحولت بفعل السياسات الاقتصادية الناجحة إلى ثاني اقتصاد عالمي بعد الولايات المتحدة في الوقت الحاضر، وباتت قوتها العسكرية المتنامية مصدر قلق كبير لجيرانها الأقربين وخاصة اليابان والهند ودول شرق آسيا، وكذلك مصدر قلق للدول الكبرى الرئيسة في العالم وخاصة الولايات المتحدة وروسيا، ومن المحتمل وفقا لأرقام النمو السنوي الذي تحققه الصين أن تلحق بالاقتصاد الأمريكي، بل وتتفوق عليه في غضون عقد أو عقدين على أكثر تقدير، وإذا بقيت سياسة الغرب على ما هي عليه في تفتيت الدول القائمة إلى كيانات أصغر كي تسهل عملية السيطرة عليها، فإن العالم مرشح لأن يضم ضعف عدد أعضاء الأمم المتحدة حاليا، لكل منها علمها وعضويتها في الأمم المتحدة، ولها علاقاتها الدبلوماسية مع الدول الأخرى، ووضع على هذا النحو، هو ما يناسب الدول الكبرى، مع ذلك فإن عدد الدول ذات القدرة المادية على رسم مسار الخارطة الاستراتيجية الدولية، سيبقى متقاربا وقد لا يزيد على عشر دول إلى زمن منظور حتى يستقر العالم على نظام دولي جديد يقوم على أنقاض النظام الدولي الذي أفرزته نتائج الحرب العالمية الثانية.
إن صعود دولة ما إلى مستوى التأثير الدولي سياسيا واقتصاديا وعسكريا، لا بد أن يتبعه خروج دولة من الواجهة نتيجة تراجعها عن موقعها ومكانتها إلى الوراء، ويعتبر تراجع مكانة بريطانيا لصالح الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، بعد أن تربعت على قمة القوى الدولية لعدة قرون، حتى صار اقتصادها رابع اقتصاد في أوربا في الوقت الحاضر، مثالا حياً على أن الدول تمر بمراحل من الفتوة والشباب والشيخوخة ثم الهرم.
إن تراجع عناصر قوة أية دولة من دور دولي مؤثر ومتميز إلى دور أقل شأنا، يعني ملء الفراغ من دولة أخرى تنتظر الفرصة السانحة للصعود إلى واجهة الأحداث، هذا لا يعني أن العالم محكوم بعدد معين من مراكز القوة فيه، (إن الامبراطوريات العاتية تكابر حتى تصل إلى الذرى العالية، ثم تكتشف عند الوصول هناك أن البقاء فادح التكاليف وعندها تظهر حتمية النزول، لكن الامبراطوريات تعاند وساعتها يبلغ العنف مداه، وذلك ما حدث لكل الامبراطوريات سابقا من الامبراطورية الرومانية في العالم القديم، إلى الامبراطوريات الأخرى حتى وقتنا الحاضر)، إلا أن المسرح السياسي لعالم الكبار لا يسمح بوجود لاعبين كثيرين، لأن ذلك يفقدهم قدرة التحكم فيه، وعلى ما يطرح الكبار فإنه يعقّد قوانينه ويجعل الوصول إلى حلول وسط أكثر صعوبة، لاستحالة التوفيق بين الإرادات المتصارعة إذا كان عددها كبيرا، ويمكن الاستدلال على ذلك أن وجود الولايات المتحدة ومعها بريطانيا وفرنسا، وكذلك وجود الاتحاد السوفيتي السابق ومعه دول الكتلة الشيوعية بما فيها الصين الشعبية قبل تفكك تحالفهما بسبب الخلاف على تقييم إرث الزعيم السوفيتي جوزيف ستالين، لم يكن ليسمح لكل هذه الدول أن تسهم برسم خارطة مستقبل العلاقات الدولية وما يسمى بسياسة التعايش السلمي، ومن ثم الوفاق أثناء الحرب الباردة، بل كانت الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي هما من يقوم بذلك نيابة عن حلفائهما سواء جرى ذلك برضاها أو من دونه.
إن لوجود أكثر من 190 دولة في العالم كاملة العضوية في الأمم المتحدة في الوقت الحاضر، تأثيرات بالغة في توجهات البحث عن آليات لترسيم الحدود بين دول كانت إلى الأمس القريب إقليما سياسيا واحدا، وأصبح ترسيم الحدود جزءا مهما من عناصر السيادة التي تتمسك بها الدول لضمان حقوق أبنائها وأمنهم، وتوفير مصادر الثروة لهم وطرق النقل الداخلية أو المفضية إلى الخارج، وتحدد الشروط التي تنطبق على من بإمكانه أن يحمل جنسيتها، ومنع الهجرة السائبة إلى إقليمها، كما أن السفر في العالم القديم كان محدودا بسبب صعوبة قطع الأراضي والقفار مشيا على الأقدام أو على ظهور الدواب ويستغرق أوقاتا طويلة جدا، وبسبب محدودية التبادلات التجارية وغيرها من دوافع شد الرحال، وكان السفر محفوفا بأخطار كبيرة ومقتصرا على الميسورين من الناس، والذين يتمتعون بقوة البنية والذين يجدون أن سفرهم أمر لا مندوحة عنه، طلبا للرزق أو نجاة بالنفس من ملاحقة تهدد حياته، أو إذعانا لمتطلبات المهنة كالعمل في التجارة أو في الجيوش أو غير ذلك من العوامل المختلفة الأخرى كالحج بالنسبة للمسلمين، أو أنه يتعلق بالمشتغلين في مهنة النقل أصلا، وحينما اكتشفت قوة البخار، عُدّ ذلك فتح عظيم في حياة الإنسان والتطور الاقتصادي والتكنولوجي، وتحولت السفن إلى وسيلة النقل الرئيسة بين الأقاليم التي تفصل بينها البحار، وعبرت أفواج المغامرين البحار العالية حتى تم اكتشاف قارات جديدة كالأمريكتين، بحيث أصبحتا جزء من الامبراطوريات الاستعمارية في ذلك الوقت، فضمتها إلى ممتلكاتها التي أخذت بالتوسع وسببا لإثارة نزاعات طويلة ودسائس كثيرة بين الدول الاستعمارية القديمة، على الاستحواذ على المزيد من أراضي أمريكا الشمالية وأمريكا الجنوبية إلى ممتلكاتها أو الجزر المترامية في أعالي البحار والمحيطات .
لقد كانت قصص السياح والرحالة والمغامرين شحيحة بالأخبار وأحيانا لا تمت إلى الحقيقة بصلة، ولم يتم الاهتمام بالبلاد الواقعة في شرقي البحر الأبيض المتوسط، بوصفها مصدرا للحرير والتوابل والسلع التي يتم تبادلها في العراق وبلاد الشام ومصر، سوى من قبل دول أوربا الجنوبية المهتمة بالملاحة ولهذا كانت رحلات (فاس كو دي غاما) البحرية تثير الكثير من الاهتمام في شبه القارة الهندية وما جاورها، ومخرت أساطيل البرتغال عباب البحار قبل أن ينتهي القرن الخامس عشر ، وعلى البر أصبح القطار وسيلة مثالية للنقل فوق اليابسة ومدت خطوط السكك الحديد داخل البلدان وعبر حدودها مع البلدان الأخرى، فأصبح متاحا نقل الأشخاص والبضائع ومد النفوذ في صراع شركات التعدين للسيطرة على مناطق تركز المعادن المختلفة، ولكن نقل الجيوش بمعداتها العسكرية والأعتدة وإيصالها إلى مناطق النزاعات والحروب كانت له الأولوية في عمليات النقل، لشن حروب جديدة أو حماية خطوط القتال التي كانت عرضة للتغيير على الدوام تبعا لمسار العمليات العسكرية، وهذا ما أحدث تغييرات متلاحقة على حدود الجغرافية السياسية، تبعا للمتغيرات التي تفرضها نتائج الحروب.
ومع الوقت كانت وسائط نقل جديدة تدخل إلى عالم السفر والنقل، فبعد مغادرة العالم للمحركات التي تشتغل بقوة البخار إلى المحركات النفاثة الحديثة التي تدور بسرعة أكبر، وزيادة أحجام وسائط النقل لمستويات ما كان بوسع أحد ليتصورها، ودخول وسائط جديدة إلى عالم النقل كالطائرات الكبيرة والحديثة والتي جعلت من العالم صغيرا جدا وبالإمكان الانتقال من أقصى شرقه إلى أقصى غربه في مدة لا تزيد على أربع وعشرين ساعة كحد أقصى، تترك في المجتمعات المتحاربة الكثير من المشكلات والويلات الاقتصادية والاجتماعية كاليتم والترمل والفقر والأوبئة، وما ينجم عنها من آلام نفسية وأزمات معيشية وأمراض اجتماعية تبدأ بالتشرد والتسول والجوع والسرقة وقطع الطرق وقد لا تنتهي عند امتهان الدعارة وتهريب المخدرات وتجارة الرقيق الأبيض أو المتاجرة بالرقيق وبيع الأعضاء.
إن اكتشاف الإنسان لأسرار الذرة واختراعه الصواريخ وقدرته على إفناء البشرية بلحظات معدودات، ضاعف من رغبة الشعوب في تنظيم العلاقات الدولية تنظيما سليما، يُجنب العالم خطر الدمار الساحق إذا نشبت حرب عالمية ثالثة، قد تجعل الكرة الأرضية كعصف مأكول، وقد وجد المفكرون والقادة السياسيون عبر التاريخ أن واجبهم يُحتم عليهم العمل على تجنيب بلدانهم الأزمات مع أقاليم الجوار، وبالتالي وضع خيار الحرب في آخر سلم برامجها، واللجوء إلى خيار الحوار لحل المشكلات الثنائية أو الجماعية بين الدول، فأمكن ايجاد مناهج للتسويات وتطورت مع الزمن حتى صار متاحا عقد اتفاقيات بدائية بين الدول، على وفق ما يسمح به مستوى تطورها السياسي والقانوني حين توقيعها، فالاتفاقيات في واقعها انعكاس لمستوى التطور والمدنية اللتين وصلهما الإنسان، وكما أن الاتفاقيات الأولى احتلت مكانة مرموقة في تاريخ الدول التي وقعتها، وأصبحت جزء من تاريخ الإنسانية جمعاء، فإن تطور وعي الإنسان واتساع مداركه فيما بعد، أتاحت للإنسانية رؤية اتفاقيات أكثر نضجا وشمولا من سابقاتها، ولكن شعوب العالم تبقى تنظر بالإكبار والعرفان إلى ذوي العقول النيرة الذين رسموا للإنسانية مسارا عقديا ينم عن وعي مبكر لحاجاتها إلى الاستقرار والسلام من أجل التفرغ للبناء.

مقالات ذات صلة

د. نزار السامرائي

عميد الاسرى العراقيين

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى