الخروج من قصور آيات الله

الجزء الرابع والعشرون

بعد أن هدأت زوبعة الفرح بالعودة إلى الوطن، بدأت ملفات الغيبة الطويلة تفتح أمامي وتُقلبّها أصابع أتعبتها سنون القحط، كان عليّ أن أستمع للجميع مع إشعار المتحدثين باهتمامي بما يقولون، حتى لا أترك أثرا مضاعفا بالإحباط لدى أي منهم، كانت الحقيقة واحدة ولكن زوايا النظر إليها متعددة، كان السؤال الذي يُلحُ عليّ هو من أين أبدأ؟ هل أنصرف كلياً لمعالجة الاختناقات المادية التي عشتها وعائلتي بعد عودتي من الأسر وما أنفقته من أموال على جانب من العلاج الطبي، وغير ذلك من أبواب الانفاق، ومن ثم أنصرف إلى القضايا العامة؟ وهل يمكن الفصل بين الأمرين بهذه السهولة؟ لقد تداخلت الأزمات مع بعضها عليّ بحيث لم يعد متاحا لأية فكرة للفصل بين الأزمات العامة والخاصة.
فيما يتصل بالزيادة المفترضة بالراتب الشهري الذي كنت أتقاضاه قبل عودتي من الأسر، لم يُتخذ الإجراء الإداري اللازم في معالجته، وفي واحدة من مراجعاتي لمكتب شؤون المنظمات الشعبية في ديوان الرئاسة والكائن في كرادة مريم، سألني السيد أبو شذى وهو مدير إداري في المكتب عن خطوات شمولي بالمرسوم الجمهوري بمنح الأسرى نوط الشجاعة، فأجبته أنني مشمول بتلك الزيادة ولكن الأمر بيدكم، فقال إن المرسوم وصلنا وهو يرتب لك زيادة في الراتب بمقدار 150%.
ولكن الأيام كانت تمر من دون حصول هذه الزيادة المفترضة، وحينما سألت عن السبب، قال لي أبو شذى، إن الأمر مرتبط برئيس ديوان رئاسة الجمهورية أحمد حسين خضير السامرائي والذي يجب أن يُفعّل المرسوم الجمهوري، فأنت الوحيد من منتسبي رئاسة الديوان المشمول بالمرسوم 70 لسنة 2002، أما الباقون فهم أما عسكريون أو موظفون في وزارات مدنية، ولا يمكن أن تؤخر تلك الوزارات تنفيذ ما جاء في المرسوم الجمهوري، ثم قال، أرى أن تقابل رئيس الديوان وتشرح له قضيتك، قلت لا مانع لدي كيف أقابله، فقال يجب أن تطلب مقابلته تحريريا، ظننته يمزح لأول وهلة، على الرغم من أن علاقتنا ليست من العمق بحيث تسمح بمثل ذلك، قلت بثقة أنا مدير عام وكنت أدخل على الأستاذ طارق عزيز الذي كان عضوا في القيادتين القومية والقطرية للحزب وعضوا في مجلس قيادة الثورة ونائبا لرئيس الوزراء ووزيرا للثقافة والإعلام، وكذلك على وزير الثقافة والإعلام الأستاذ لطيف نصيف جاسم الدليمي، ولم أفكر في يوم من الأيام بكتابة طلب خطي للمقابلة، قال لي هذه تقاليد العمل الوظيفي الحالية ولا نستطيع الخروج عليها، وجدت نفسي في آخر الأمر مضطرا لتقديم الطلب الخطي خاصة وأنني كنت أشعر بأن حيفاً كبيراً قد لحق بي، لمجرد أن رئيس ديوان رئاسة الجمهورية لا يمتلك الوقت والمزاج الكافيين لإصدار الأمر الديواني بذلك، هنا شعرت “بظلم ذوي القربى” وربما تفهمت في ذلك الوقت بأن ظلم العدو في الأسر له ما يبرره، ويبدو أن الغبن سيستمر بعد عودتي.
بعد عدة أسابيع أبلغني المدير الإداري للقسم بأسوأ موقف وظيفي أصادفه في حياتي، وذلك عندما أبلغني باعتذار أحمد حسين خضير السامرائي، رئيس ديوان رئاسة الجمهورية عن مقابلتي، من دون أن يبرر فعله القبيح، يا لها من نفسية مريضة تلك التي يحملها هذا الانسان، ويا له من موقف ردئ، لو لم أتقدم بالطلب لكان الأمر هيناً، ولكن أن أكتب طلباً ويُرفض، فذلك أمر قبيح وغير قابل للصفح عن النفس أولاً، وعن الظرف الذي أصبح أحمد حسين السامرائي، في موقع يمنحه فرصة الإساءة لي ويعتذر عن مقابلتي، ويبدو أن أحمد حسين السامرائي الذي كان يشغل منصبا أكبر منه، كان يخشى على منصبه أن يفلت منه، مثل طفل أمسك بعصفور بمحض الصدفة فخاف أن يطير من بين يديه.
لكن أبا شذى لم ييأس، وقال بنبرة اعتذارية حزينة وكأنه مسؤول عما حصل، لا تكترث لما جرى هكذا هي التقاليد الوظيفية السائدة الآن، وسوف أبذل جهدي كي أصل إلى حل، لم أبحث عن هِبة من أحمد خضير السامرائي ولا من غيره، ولكنه إجراء قانوني واجب ملزم لدوائر الدولة ولو كان يشعر بأن كل فعله مراقب بدقة ما تجرأ على تسويف مفعول مرسوم جمهوري.
لا أحد على استعداد أن يتنازل عن حقه، ولكن ما حصل إهانة بالغة وسوف لن أنساها، ولست مكترثا للراتب إن زاد أو قل، فأنا أحصل على راتب يفوق رواتب كثير من موظفي الدولة، فالموضوع يتعلق بالمبدأ، وهذا الراتب ليس منةً من أحد، وربما هو راتب الحد الأدنى للمدراء العامين في ديوان الرئاسة، لأنني مثل يتيم لا أبّ يطالب بحقه، هنا استذكرت هذه الحكمة، (قيل لأعرابية ‏ما الجرح الذي لا يندمل؟ ‏قالت: حاجة الكريم إلى اللئيم ثم يرده ‏قيل لها: فما الذل؟ ‏قالت: وقوف الشريف بباب الدنيء ثم لا يؤذن له).
أما الدرجة الحزبية فلم أحصل على الترقية المفترضة والمقررة لمن حصل على نوطي الشجاعة، كان المتطوعون لألوية المهمات الخاصة من الدفعة الثانية (بين اللواء 11 واللواء 20) قد مُنحوا درجةً حزبية أعلى، ولكنها جاءت متأخرة إلى عام 1982، على خلاف الدفعة الأولى من تلك الألوية (بين اللواء الأول واللواء العاشر) والذين تم منحهم درجة حزبية أعلى بمجرد تطوعهم كما تم منحهم رتبا عسكرية، ولما كنت بدرجة عضو قيادة فرقة، فقد أصبحت بموجب قرار الترقية عضو قيادة شعبة منذ ذلك التاريخ وخلال وجودي في الأسر ولم أعرف به إلا بعد عودتي منه.
على هذا فإن نوطي الشجاعة سيمنحاني أيضا درجة حزبية أعلى وكذلك تقرير مستشفى الرشيد العسكري سيرتب أيضا درجة حزبية أخرى، فالضوابط المعتمدة كان يجب أن تنقلني من درجتي خلال الأسر وهي عضو قيادة شعبة، إلى عضو مكتب تنظيمي في الحزب، وليس عضو قيادة فرع فقط، أقول هذا على الرغم من أنني لم أدخل في أية منافسة مع رفاقي خلال الانتخابات الحزبية التي كانت تجرى في مؤتمرات الشعب أو الفروع الحزبية، وحتى عندما كانت توزع على الجهاز الحزبي استمارة عن المجال الذي يظن الرفيق الحزبي أنه أكثر قدرة على خدمة الحزب فيه، لم أكتب في أي يوم من الأيام “التنظيم الحزبي” بل كنت أبادر إلى كتابة “المجال الإعلامي والثقافي”، ولكن الأمور هكذا جرت ويجب أن أثبت كل ما حصل معي بصرف النظر عن سخط البعض أو رضا الآخرين، فأنا لست في معرض كتابة مقال سياسي، بل في سرد الحقائق مجردة عن الناصب والجازم كما يقول النحاة.
عندما عدت من الأسر علمت بأن كثيرا من الوثائق قد فقدت نتيجة حريق قد شب في مقر شعبة المأمون، التي كانت ترتبط بها فرقة العدل، قبل أن تتحول الأخيرة إلى شعبة مستقلة ترتبط بفرع أبو جعفر المنصور، قيل لي إن إضبارتي الحزبية فقدت في حريق شعبة المأمون، وكانت ترقية عام 1982 قد ثبتت فيها، وحاولوا البحث عن اضبارتي الحزبية في كل المقرات الحزبية، ولكنهم وصلوا إليها أخيرا في مكتب أمانة سر القطر، كنسخة أساس من دون أي معلومات عن تطور الوضع الحزبي، باستثناء أنها تعود لعضو قيادة فرقة قديم في الحزب، ولهذا عندما تم ترويج إجراءات ارتباطي بالحزب مجددا، فقد بوشر بها من هذه النقطة.
عندما جلبت للشعبة المرسوم الجمهوري بمنحي نوطي شجاعة، كان قد صدر قرار بترقيتي إلى عضو قيادة شعبة، وهي الدرجة التي حصلت عليها عام 1982 نتيجة تطوعي في ألوية المهمات الخاصة، أما درجة عضو قيادة فرع وهي استحقاقي الأولي فلم أحصل عليها قبل وقوع العدوان ثم احتلال العراق عام 2003، وكانت التبريرات تترى، مع أن اكتشاف السبب الخفي قد استعصى على الجميع أو هكذا كنت أسمع، كانت الإضبارة الجديدة والتي تتضمن توصيات منحي القدم الحزبي قد أضيفت لها كل التفاصيل القديمة والمستحدثة، على أمل أن تُعرض على رئيس اللجنة التنظيمية في الحزب السيد عزت إبراهيم الدوري، نائب أمين سر القيادة القطرية للحزب، وبعد مدة وحينما أبلغت بأن القرار سيصدر في غضون أسبوعين، تم إبلاغي بأن الإضبارة كانت فقدت مرة أخرى أثناء استحضارات القيادة لمواجهة التهديدات الأمريكية بالاعتداء على العراق، بعد أن لبست التهديدات الأمريكية رداءً جدياً وصاخباً، فاضطرت المؤسسات الحزبية والرسمية للبحث عن مواقع بديلة، وأخبروني بأن مكتب أمانة سر القطر بصدد تنظيم معاملة جديدة لعرضها على رئيس اللجنة التنظيمية، لم يكن لي خيار في التعامل مع هذه القضية بأي شكل من الأشكال، ولم ينصرف ذهني إلى شك في أن يداً مغرضة هي التي فعلت فعلها في الأمر، وذلك لعدم وجود عداوات لي في هذا المكتب أو غيره إن كانت العداوات قد تسربت إلى الوسط الحزبي، وسربت معها تقاليد العمل الوظيفي الذي يقبل التلاعب والتحكم بمصائر الناس من وراء الستار.

مقالات ذات صلة

د. نزار السامرائي

عميد الاسرى العراقيين

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى