المأزق العربي بعد وصول بايدن إلى البيت الأبيض

دشن الرئيس الأمريكي جوزيف بايدن عهده باحتفالية تنصيب وزير للمواصلات وقال أنه وزير مثلي، أي شاذ، وهذا الأخير وقف أثناء حفل تنصيبه ليقول إن يفخر بأنه يقدم زوجه “وليس زوجته” كما توهم البعض، أي أنه شاذ سلبي، وبقدر ما أثار المشهد من حالة تقزز واسعة النطاق وشعور بالخزي في أوساط كثيرة، إلا أنه مرّ من دون أن يثير ردود فعل داخل الأوساط المسيحية المحافظة التي كانت تقاومه في الولايات المتحدة.


ومع أن ذلك الشذوذ شأن أمريكي داخلي، إلا أنه يبدو كالبيان رقم واحد لولادة نظام سياسي اجتماعي جديد في الولايات المتحدة، لن تقبل ببقائه رهين محبس حدودها، بل ستسعى بكل ما لديها من أدوات ضغط سياسي واقتصادي على الدول الأخرى لتفرضه عليهم بالتدريج ترغيبا تارة وترهيبا تارات، حتى إذا قوبل بمقاومة سياسية أو دينية خلال السنوات الأولى من قبل دول تطبق قيما مغايرة، حتى يُصبح الأمر مع الوقت تقليدا مقدسا، استنادا إلى ما يُطلق عليه بحقوق الإنسان، ولن يتوقف عند حدود قارة أمريكا الشمالية، لاسيما وأن الاتحاد الأوربي سبق وأن قدّم وزيراً في المفوضية الأوربية ينتمي إلى العائلة الجديدة.

مقالات ذات صلة


لا أستطيع الجزم بشأن وجهة نظر بايدن الشخصية من هذا الشذوذ لأنه لم يعطِ رأيا صريحا به، ولكن اعتمداه كبرنامج سياسي في توجهات السياسة الأمريكية، يؤكد أن الأمر أبعد من مجرد وجهة نظر شخصية، فهذا التوجه يعد الصفحة الأولى في تدمير مجتمعات الفضيلة في العالم من أجل إحكام السيطرة عليها بعد نزع آخر حصونها الأخلاقية وتماسكها العائلي والاجتماعي.


ولأن أوربا لا تستطيع فرض قيمها بالقوة السياسية أو الاقتصادية أو العسكرية، كما كانت تفعل ذلك لقرون سابقة طويلة، فإنها لم تتمكن من ردع وجهات النظر الرافضة لتلك الممارسات الشاذة، ولم يتعامل العالم معها بنفس درجة الحساسية التي بات ينظر إليها مع توزير شخص “شاذ سلبي” في الولايات المتحدة، لأن أمريكا حالة أخرى بسبب قوة تأثيرها وقرارها السياسي الواحد، وما يمكن أن تمارسه من ضغوط على الآخرين.
الولايات المتحدة ستحاول فرض قيمّها الاجتماعية الجديدة على العالم وخاصة الدول الصغيرة، أو تلك التي تعاني من ضعف سياسي واقتصادي في مواجهة التحديات الخارجية، وعند مقتضيات المصلحة الأمريكية فإن واشنطن لن تتردد لحظة واحدة في فرض اجراءات عقابية متدرجة على أي بلد يغلق أبوابه دون دخولها إليه، بل وربما وستعاقب كل من يسخر منها أو يُظهر تقززا من شيوعها علانية، وقد تفرض قوانين دولية تجّرم رافضي هذا النهج، لا تختلف عن قانون إنكار المحرقة أو معاداة السامية.


ولعل أكثر طرف مهدد بالغضب الأمريكي هم العرب والمسلمون، ليس بسبب موقفهم من مسألة الشذوذ فقط، بل لأن منطقتهم الإقليمية تقف فوق بركان يوشك أن ينفجر بأكثر من قضية صراع أو نزاع مسلح، أو اختلاف اقتصادي أو خلافات ترتبط بتباين النظم السياسية الداخلية، ومحاولة كل طرف لتصدير تقاليده السياسية إلى الآخرين، وهذا ما عانت منه المنطقة ردحاً طويلا من الزمن، ولم تتوقف الصراعات البينية على ما كان حاصلا بين دول المنطقة فقط، بل تعداها إلى التدخلات الخارجية وهي الأكثر قوة وتأثيرا على استقرار الحياة السياسية في كل بلد وعلى أمن المنطقة وانسيابية العلاقات بين الدول مع بعضها.


كانت الولايات المتحدة أكثرَ القوى الدولية تدخلا ممنهجا في شؤون المنطقة العربية، وكانت تضع لكل حقبة زمنية شعارا مركزيا تسعى لتحويله إلى واقع على الأرض، قبيل حرب حزيران 1967، كان الهدف الأمريكي المقدس هو السماح للسفن الإسرائيلية بالمرور عبر قناة السويس، ومع أن حاجة إسرائيل إلى هذا المرور ليست بحجم أن تجعله الولايات المتحدة هدفا انتخابيا يسعى كل مرشح للرئاسة لفرضه على مصر، وبعد تلك الحرب التي خسرها العرب، اختفى ذلك الشعار وحلت محله حزمة الشعارات التي تعكس حقيقة الأهداف الأمريكية بشأن مستقبل الكيان الصهيوني وعلاقاته مع دول المحيط العربي.


ومع كل انجاز كانت الولايات المتحدة تحققه لترسيخ نفوذها، كانت تعيد النظر بجدول أولويات الخصوصية في العلاقة مع هذا الطرف العربي أو ذاك، فبعد أن ظلت المملكة العربية السعودية تحتل المركز الأول في قائمة حلفاء أمريكا في الشرق الأوسط والوطن العربي، بدأ تراجع السعودية عن موقع الصف الأول من أصدقاء واشنطن، ليس بسبب تغير في الاستراتيجية السعودية وتحالفاتها الخارجية، بل لأن واشنطن رأت أن وضع بيضها كله في السلة السعودية، هو خيار غبي من جهة ولأن دولا أخرى عرضت خدمات مماثلة لما تقدمه السعودية لأمريكا وربما أكثر، خاصة في مجال القواعد الجوية والبحرية، وحصل هذا التحول الاستراتيجي بعد احتلال العراق، والذي حققت أمريكا من خلاله عدة نجاحات، الأول تدمير قوة العراق ومنظومة الدولة فيه، بل وسلمته واشنطن لإيران، عن إصرار وتخطيط قديم انطلى على العرب الذين صدقوا بالوعود الدولية، الثاني وهو المهم من وجهة نظر دينية إسلامية، فالولايات المتحدة أرادت إخراج السعودية عن معتقد ديني ثابت يستند على الآية الكريمة (يَٰٓأَ أيُّهَا ٱلذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَٰارَىٰٓ أَوْلِيَآءَ ۘ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍۢ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُۥ مِنْهُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّٰالِمِينَ) المائدة 51.
فقد استدعت السعودية إلى أراضيها قوات من مختلف الجنسيات بعد أن أقامت واشنطن ائتلافا يتجاوز حلفاءها الأوروبيين في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وكانت حصيلة هذا التحالف: 38 دولة، و750 ألف جندي (75% منهم أميركيون)، و3600 دبابة، و1800 طائرة، و150 قطعة بحرية.


أما الثالث فبروز إيران كأكبر قوة عسكرية إقليمية قادرة على تهديد أمن المنطقة وخطوط الملاحة الدولية على تخومها، وهو ما استدعى توجه عرب الخليج العربي وجزيرة العرب لطلب الحماية من الولايات المتحدة، التي فرضت شروطا قاسية جدا لتقديم الأمن المستورد، والذي تأكد لاحقا أنه ليس خيارا استراتيجيا أمريكيا ثابتا، وإنما هو خيار يرتبط بولاية دونالد ترمب فقط، وهو رئيس قادم من عالم العقار وعروض الازياء والتجارة، وسخّر هذا الملف لتنشيط الاقتصاد الأمريكي وانتشاله من كبوة كادت أن تُطيح به وتُعيد الأزمة الاقتصادية التي عاشتها أمريكا عامي 2007 و2008.


وبمجرد أن غادر ترمب البيت الأبيض ودخل بايدن إليه، أخذت السياسة الأمريكية منحى آخر، بدأ بالتنصل من كل الوعود الشفهية التي أطلقها الرئيس السابق ترمب للحلفاء الإقليميين، وصولا إلى ما هو أخطر من ذلك بكثير، من قبيل فتح ملفات سلبية قديمة تتعلق بالقبضة الفولاذية الأمريكية الضاربة والتي تحارب بها الدول التي تنظر إليها بعين صغيرة، ولكنها تتجاهله في الداخل الأمريكي على نحو واضح، وهو ملف حقوق الإنسان.

هناك ملفات عديدة تنتظر بايدن أو ينتظر هو فتحها في وقت مؤشر في ذهنه، ولكن الملف الأكثر الحاحا هو ملف البرنامج النووي الإيراني، مع كل ما يمثله من إعادة انتاج سياسة باراك أوباما في التعامل السخي سياسيا وماليا مع إيران، مع كل ما يعنيه ملف العودة إلى “الحضن الإيراني” من صدود عن العلاقات مع “الأطراف العربية” التي سيكون رأي أوباما القديم بها هو السائد في حقبة بايدن.


بدأ بايدن قراراته التنفيذية بوقف امداد المملكة العربية السعودية بالسلاح لأنه يستخدم في قتل اليمنيين، مع أن هذا التبرير ساقط تماما وإهانة لذكاء العرب، لأن اليمنيين يُقتلون بالسلاح الإيراني الذي يستخدمه الحوثيون بعد أن يصل إليهم عبر ممرات يحميها الأسطول الأمريكي، وبايدن يعرف هذه الحقيقة تماما، وإن كان لا يعرفها وهو الذي قال في آخر خطاب له إنه متخصص في العلاقات الدولية فمعنى ذلك أنه وصل إلى ارذل العمر، وبذلك يستنسخ عشق أوباما لإيران وكراهيته للعرب من دون أن يستند على معلومات محايدة.


ثم ألحق ذلك القرار بقرار تعيين مندوب أمريكي لشؤون اليمن، وهنا تسكن عَبَراتٌ كثيرة، لأن هذا المندوب سيركز على البحث عن كل الفرص المتاحة لإطالة أمد النزاع الناجم عن انقلاب مليشيا خارجة على القانون ومرتبطة بدولة أجنبية، علينا ألا ننسى أن بايدن هو صاحب مشروع التقسيم في العراق وبقية الدول العربية، وهذا الانحياز الأمريكي المبكر إلى جانب إيران والحوثيين في اليمن، يؤكد أن خطوة بايدن القادمة هي جعل الأمن السعودي تحت طائلة التهديد الإيراني المباشر، تمهيدا للحلم الأمريكي بتقسيم السعودية إلى أكثر من دولة، خاصة بعد أن تعثّر مشروع تقسيم العراق لأكثر من سبب محلي وإقليمي ودولي.
رئاسة بايدن هي الزمن العربي الصعب والعصيب، لأن بث الحرارة في شرايين العلاقات الأمريكية الإيرانية، سيكون قطعا على حساب العرب، وفي الأفق اشارات إلى أن تخفيفا متدرجا للعقوبات الاقتصادية الأمريكية على إيران مثل تنفيذ العقود التجارية ذات الطابع الانساني والبعيدة عن الاستخدامات الخطرة، وهذا يعني أن المزيد من الأموال ستتدفق على إيران التي ستستخدمها في غرضين:
الأول تسريع برنامجها النووي العسكري.
الثاني في دعم وكلائها وعملائها في المنطقة والعالم.


وفي كلا الملفين فإن العرب هم الخاسر الأكبر، فالبرنامج النووي موجّه لابتزاز العرب والحصول منهم على تنازلات سياسية واقتصادية واجتماعية في ملفات ثنائية، وكما استخدمت الولايات المتحدة موضوع البرنامج النووي الإيراني لاستنزاف العرب، فإن إيران وبعد أن تأكدت منذ زمن بعيد أنهم لا يحسنون إقامة تحالفاتهم، ستلوّح بهذا السلاح بوجههم، على الرغم من أن أحدا قد لا يتوقع أن هذا السلاح هو للاستعمال، فالسلاح النووي الذي استخدمته الولايات المتحدة فوق اليابان في الحرب العالمية الثانية ولم تكرر استخدامه في أي مكان آخر، بل لم تستخدمه في ألمانيا في الحرب المذكورة، لأسباب دينية عرقية عنصرية، فأصبح هذا السلاح للردع والابتزاز لا أكثر، وفي منطقتنا فإن إسرائيل التي تمتلك عدة مئات من الرؤوس والقنابل النووية، فقد كانت على حافة هزيمة كبرى تهدد مرتكزات كيانها من جذوره في حرب “رمضان” 6 تشرين الأول عام 1973، ولكنها وعلى الرغم من امتلاكها للسلاح النووي، امتنعت “إراديا أو بضغط خارجي” عن استخدامه لمعالجة حالة عدم التوازن في حجم القوى البرية في الجبهتين المصرية والسورية والمفتوحتين على احتمال تدفق المزيد من القوات، وخاصة بعد زحف القوات العراقية إلى الجبهة السورية، التي أدت إلى حصول اختلالات جدية على توازن القوات الفاعلة في الجولان السوري، إسرائيل عندما أحجمت عن استخدام هذا السلاح، فلأنها تعي جيداً أن هذا السلاح وفي رقعة المواجهة التي تتداخل فيها الجغرافيا السياسية مع الجغرافيا الحربية، فلأنه الخيار الأخير في أية حرب إقليمية أو أكبر، كما أنها تعي الأخطار البيئية والسياسية إقليميا ودوليا.


وما أكثر الظروف المتقاربة مع ظروف الحروب العربية الإسرائيلية، والتي مرت بها دول نووية أخرى كما حصل للولايات المتحدة في فيتنام وللاتحاد السوفيتي في أفغانستان، هذا هو حال الدول “العاقلة” في حساباتها الدولية، ولكن هل تنطبق هذه المعادلة على إيران؟


إيران ومن متابعة سريعة لسلوكها منذ شباط 1979 وحتى اليوم، وبعودة سريعة إلى سجل الحرب العراقية الإيرانية، فإن إيران لم توفر سلاحا إلا وجربته في ضرب الجبهات والمدن العراقية بما فيها الأهداف المدنية ومدارس الأطفال، وهنا نسأل ماذا لو امتلكت السلاح النووي؟


ولأن هذا السؤال افتراضي فإن الجواب عنه سيكون افتراضيا أيضا.
يجمع الخبراء المتخصصون في الشأن الإيراني على أن الزعامة الإيرانية هي الوحيدة في العالم التي تمتلك “المرونة صفر” في حساباتها الخارجية، ولا تقدر الآثار المترتبة على أية خطوة تُقدم عليها، فالمهم عندها وقبل كل شيء، هو استمرار نظام الولي الفقيه الذي أكد عبر تجارب أربعة عقود، أنه استثمار سياسي أمني اقتصادي في غاية الربحية، ولهذا مضت في خيار حافة الهاوية من دون أن تقدّر أنها قد تسقط فيها.


لقد أظهرت إيران التزاما أقل بميثاق الأمم المتحدة إلا عندما يكون ملبيا لمصالحها، وبقواعد القانون الدولي والعلاقات بين الدول صغيرها وكبيرها، فكانت كمتشرد معتوه يقيم في حي راقٍ واجهات بيوته وعماراته كلها زجاجية، وكان يمارس هوايته المفضلة بقذفها بالحجارة على مدار الساعة، ولم تتمكن جهود الأطباء من علاجه، ولا حكمة العقلاء من ضبط سلوكه، هكذا تصرفت إيران في المنطقة وما يجاورها، فكانت أشبه بمافيا إرهابية تتحرك بحرية مطلقة، مستغلة تعقّل الآخرين وطول صبر بعضهم، فتمادت في سلوكها المنحرف حتى صارت قوة خارج كل الضوابط الأخلاقية والقانونية وراحت تشعل الحرائق في منطقة شديدة الاشتعال.


ولما لم تواجه برد فعل فقد أغراها ذلك لتوسيع حركتها، ونجحت في توظيف المذهب فشكلّت عصابات جريمة منظمة، ومليشيات متعددة الاختصاصات بدءً من تهريب المخدرات وتجارة السلاح، إلى عمليات القتل بالنيابة عن فيلق القدس، حيثما تمكنت من التسلل، فأحكمت سيطرتها بدعم عسكري أمريكي أو بصمت دولي.


إيران بهذه المواصفات، في حال امتلاكها للسلاح النووي فلن تحتفظ به في مخازن بعيدة عن الزر النووي الذي يمسك به قادة طائشون، بعد أن تحملت كل تلك الضغوط والصعوبات من أجل الحصول عليه، فلن تجعل منه مزهرية في واجهة متحف الموت الجماعي، بل لن تتردد لحظة واحدة عن استخدامه عندما تشعر أن أمنها المتسع مهدد وأن نفوذها المتزايد إقليميا ودوليا قد يتعرض لأي هزة.

على هذا فإن إيران إذا خيّرت بين امتلاك السلاح النووي والتضحية بأدواتها والمنظمات التي شكلّتها في العديد من دول العالم، سترمي بتلك المليشيات جانبا مقابل امتلاك هذا السلاح الرادع الذي سيمنحها ثقلا دوليا كبيرا وإقليميا أكبر، تتمكن من التلويح به كلما شعرت أن هناك من يسعى إلى تقليص نفوذها، لأنها باتت على يقين أن الغرس الذي زرعته في أرض صالحة له “أي الفتنة الطائفية” أصبحت داخل العقول، ولن تفقد شيئا من ولائها للولي الفقيه، وهذا الولاء سيتعزز بمجرد الإعلان عن تفجير القنبلة النووية الإيرانية الأولى، لذلك فستبادر فورا للتبرؤ من كل المليشيات التي أنشأتها.


ولكن في منطقتنا من يمتلك أعصابا من زجاج قد يأخذه الرعب فيركن إلى الاعتقاد بأنه مهدد بهذا السلاح الخطير في لحظة طيش لدولة الولي الفقيه، بدلا من وضع البرامج العلمية والعملية للحاق به قبل أن يخرج عن حدود السيطرة الإقليمية، وليست السيطرة الدولية التي لم تعد تحبذ تأدية دور المرتزق الأجير لمن يدفع أكثر.


لو أن العرب وأقصد دول الخليج العربي وجزيرة العرب حصرا، أنفقوا أموالهم التي منحوها للدول الكبرى بما فيها الولايات المتحدة من أجل شمولهم بمظلة الحماية المستوردة والأمن المستجلب، وأنفقوها على برامج اقتصادية شاملة في مجال الصناعات الثقيلة وخاصة صناعة السلاح، وإقامة مشاريع نووية ولو للأغراض السلمية وخاصة في مجالات البحوث الطبية والزراعية وتوليد الطاقة الكهربائية، لامتلكوا الخبرة التقنية القادرة على نقلهم في أية لحظة من الاستخدام السلمي إلى الأغراض الأخرى، تبعا للضرورات الاستراتيجية والميدانية المستحدثة ولم يبقوا أسرى الخوف من المجهول وعقدة نقص القوة والاسراع بالاستنجاد بالدول الكبرى لتوفير الحماية المهينة لهم، ولتحولوا من نقطة الخوف المستوطنة في قلوبهم، إلى موقع التأثير في أحداث المنطقة والعالم ولانتزعوا احترام العالم لهم، ولتردد أعداؤهم عن الخوض في أية مغامرة ضدهم.


أما دعم إيران لعملائها ووكلائها، فهو أمر يتم بموافقة الاتحاد الأوربي والولايات المتحدة، وحتى روسيا والصين لا تشعران بالخطر منه، لا سيما وأن التثقيف السياسي والإعلامي ركز فكرة نمطية في العقل الأوربي والأمريكي، بأن الإرهاب في حقيقته إرهاب سني ولا صلة لإيران به، ربما يعرف الغرب هذه الحقيقة بسبب ما تم كشفه من معلومات عن احتضان إيران لعناصر القاعدة، إلا أن العالم يظن أن وجود إيران القوية بوجه العرب الضعفاء الممزقين، أمر مطلوب الآن وحتى زمن قادم طويل.


أهمية “فارس” إيران للاستراتيجية الغربية في قلب الوطن العربي ليست جديدة، بل تعود لدور قورش في حرق بابل وإنقاذ اليهود الذين تم اسرهم في السبي البابلي على ما تقول الروايات، وهذه الرسالة الودية من إيران الإسلامية إلى إسرائيل، رسالة نفاق لامريكا وإسرائيل، كان الرئيس الإيراني حسن روحاني قد وجهها لهما عام 2020، عندما أكد أن فارس ترتبط بوشائج تاريخية باليهود من يوم أنقذتهم فيه من بطش العراقيين.


ولكن الدور الإيراني في العصر الحديث وخاصة بعد وصول خطاب ولاية الفقيه إلى موقع الدولة في إيران، أخذ بعدا في غاية الخطورة، لأن إيران وحدها قادرة على إحداث شرخ عمودي في وحدة المسلمين من خلال طرح شعارات طائفية تعتمد اللعن وتكفير غالبية المسلمين، وتطرح نفسها في الأوساط الغربية قوة الاعتدال الحامية للمجتمعات الغربية من الإرهاب الإسلامي الذي تدعمه الأوساط الإسلامية السلفية المتطرفة، وحقق هذا الخطاب نجاحا ملحوظا على المستويين السياسي والأمني.


ولكن ما الجديد في الحرص الغربي على توظيف الدور الإيراني في مواجهة العرب خاصة؟
بعد أن نجح الغرب في إقامة الكيان الصهيوني في فلسطين عام 1948، وجدت الدول الغربية التي أرادت هذا الكيان سببا في إضعاف الأمة العربية، أن وجود إسرائيل والحروب المتكررة التي شنتها على دول الجوار العربي، كانت سببا في تضامن عربي هش ومؤقت ومع ذلك ساهم في صد أي تغلغل إسرائيلي في المجتمعات العربية، فوضع الغربيون خطة بعيدة المدى لفرض القبول العربي التدريجي بإسرائيل، بدلا من التعجل فيه كي لا يعطي نتائج عكسية، ولما كانت “فارس” إيران كيانا معترفا به ومقبولا من قبل دول المنطقة، صار توظيف الكيان المقبول تاريخيا وجغرافيا “إيران” أولى من توظيف كيان مفروض بالقوة ومرفوض من قبل دولها “إسرائيل”، حتى بفرض التطبيع التدريجي معه، لأسباب قومية ودينية ولكون هذا الكيان الطارئ على المنطقة كيانا اجلائيا استيطانيا، فقد كان من المستحيل أن تُنسى قضية شعب اُخرِجَ من وطنه ويطالب بالعودة إليه.


والآن ماذا ينتظر العرب من مجاهيل السياسة وغموض المستقبل والمصير؟ وهل عليهم الانتظار ببلاهة وسلبية إلى مقادير تحل بهم من دون أن يقيموا السدود التي تدرأ عنهم سيول الأعداء الذين تضافرت عليهم، لالتقاء مصالح أطراف لم تتحد إلا ضد العرب.


وصول بايدن ليس هو الكارثة التي لا تُرد ولا قدر مؤكد الوقوع، بيد أن خطوات جدية يجب أن تُتخذ وصولا إلى الحصانة الذاتية عربيا وإقليميا.


ربما هناك من العرب من لا زال يظن أن تجربة التحالف الذي أقامته الولايات المتحدة ضد العراق مطلع العقد التاسع من القرن الماضي، قابلة للتكرار في حال إقدام إيران على احتلال أي بلد عربي، وهذا الظن السقيم متأت من تحليل في غاية السذاجة من أن الحلف الأمريكي قام دفاعا عن “حق الكويت في الاستقلال”، وبقدر ما في هذا الوهم الخرافي من سذاجة سياسية، فيه من تعطيل لكل خطط الاستعداد لمواجهة عدو أخطر من العراق، وهو إيران التي تجاوزت كل خطط القوى الاستعمارية واهدافها، عندما أوجدت مع احتلالها للأرض، برامج الدمج والتهجير والتذويب قوميا ودينيا ومذهبيا، إضافة إلى كل موروث الاستعمار البرتغالي والهولندي والاسباني والبريطاني والفرنسي، في إذلال الشعوب وطمس هويتها الوطنية ونهب خيراتها وثرواتها.


أن يهبّ أحد لنجدة العرب في حال احتلال إيران لأي بلد عربي، فهذه خرافة تدلل على خطل عقول أصحابها، فهذا العراق المحتل إيرانيا منذ عام 2003 وتلك سوريا واليمن ولبنان، فهل جندت أمريكا جيوشها لنجدة العرب؟ بل نستطيع الجزم أن إيران ما كان بوسعها أن تحقق شيئا من أهدافها لولا الدعم السري الأمريكي لها سياسيا ودبلوماسيا.
فما هو الحل في ظل هذا الظرف العربي الاستثنائي؟


ربما تنتظر العرب أيامُ أسوأ مما مّر عليهم في كل تاريخهم القديم، لأنهم مهددون بالتذويب التدريجي وطمس لغتهم وشخصيتهم القومية، لاسيما وأن الغرب وخاصة الولايات المتحدة ومنذ عدة عقود تسعى لإدخال تغييرات جوهرية على المناهج الدراسية، ووقف تدريس القران الكريم بذريعة أنه يحرّض على العنف مما يوسع دائرة الإرهاب الدولي، وقطعا عندما يبدأ التدخل في الشأن التربوي والمناهج المدرسية، فعلينا أن نتوقع غاطس التدخلات السياسية الأكثر عمقا من بقية الملفات.


أعود إلى السؤال ما هو الحل؟ بعد وصول بايدن المحمّل بأسباب الكراهية للعرب والمسلمين، فأرى أن الوقت قد حان لوضع حد للصراعات العربية البينية، ووقف الهدر في المال العام على مشاريع عمرانية فيها من البهرجة والزيف أكثر مما فيها من التراكم الاقتصادي، وكذلك وقف الانفاق على خطط التآمر العربي على بعضهم البعض، والالتفات إلى ترميم الجبهة العربية الداخلية وتحصينها بوجه كل التيارات المعادية، ويجب البحث عن تحالفات بديلة للتحالفات المفترضة والتي تأكد فشلها في المرحلة السابقة في صيانة الأمن القومي العربي، فعلى سبيل المثال اكدت المراهنة على التحالف غير المكتوب مع باكستان الدولة النووية الإسلامية التي روج بعض العرب لفكرة أن قنبلتها هي القنبلة النووية الإسلامية الأولى، أنها لم تكن بهذا الوصف حتى في أكثر أيام شهر العسل العربي الباكستاني شاعرية، فقد كانت قنبلة خاصة بالصراع التاريخي في شبه القارة الهندية، وباكستان ليس عالِما مستأجرا عند عرب عطلوا مداركهم العقلية وتحولوا إلى متبضعين في أسواق الخبرة الدولية في كل شيء وذهب بهم حسن الظن أن القنبلة الذرية سلعة تشبه سيارة الكاديلاك التي يمكن شراؤها لمن يقدر على دفع قيمتها، وفي نهاية المطاف تأكد لهم أن العالم الذري الباكستاني عبد القدير خان باع خبرته لولائه المذهبي أي لإيران بلا ثمن.


في ظني أيضا أن على العرب تجاوز بعض خلافاتهم مع تركيا لاسيما وأن الطرفين مستهدفان بحالة الصفاء الأمريكي الإيراني، ويجب على العقلاء في جزيرة العرب، رَكَنَ النزقين وكفهم عن التلاعب بمصير الأمة، لأنهم يرتدون أحذية أكبر من أقدامهم، فهذا زمن الخيارات الصعبة وليس زمن تجربة خيارات الروليت الروسي.

د. نزار السامرائي

عميد الاسرى العراقيين

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى