بعد التطبيع السعودي الإيراني هل هي عودة جديدة لتركيا إلى الوطن العربي بعد تحرر الطرفين من عُقد الماضي القريب

الجزء الثاني

أ‌- أسباب تركيا
1 – مع أن تركيا عضو في حلف شمالي الأطلسي، وعلى الرغم من أنها تشكل أهم قوة عسكرية في الحلف المذكور بعد الولايات المتحدة، وهي التي تحمي الجناح الجنوبي للحلف، إلا أنها الدولة المسلمة الوحيدة في الحلف وسط حشد مسيحي، ولكن تركيا ومهما تطرفت في علمانيتها المعادية للدين، إلا انها تبقى مثار قلق غريزي لدى أوربا والولايات المتحدة المسيحية، لم يكن بالإمكان تجاوز مسبباته التاريخية، فتركيا العثمانية احتلت أوربا كلها تقريبا أو أوشكت أن تفعل ذلك، وخاصة في حصار فيينا عاصمة النمسا، لولا الحشود العسكرية الصفوية التي قامت بها بلاد فارس على حدودها الجنوبية، مما اضطر العثمانيين على سحب جيوشهم من الغرب لحماية الدولة في مركزها، هذا كله يجعل من اندماج تركيا مع أوربا المسيحية، أمراً تكتنفه صعوبات جمة، خاصة موضوع الانتماء إلى الاتحاد الأوربي، الذي دعا بابا الفاتيكان إلى الحفاظ على هويته المسيحية، وهذه رسالة واضحة تمام الوضوح للطرف المرسل إليه، لهذا وبعد شعورها بالإحباط نتيجة إغلاق الطرق بوجهها أوربياً، أدخلت تركيا تعديلات بطيئة جدا على توجهاتها السياسية وخاصة في مجالها الحيوي، لتحديد جدول الأولويات في علاقاتها الخارجية واختيار الصديق الأكثر نفعا، ولا سيما في العلاقات الاقتصادية والتجارية، فلم تجد أفضل من الوطن العربي من يؤّمنْ لها الكثير من الفرص لتجاوز أزماتها الاقتصادية وإقامة الدولة الحديثة لا سيما في الميدان الصناعي الذي يُعد اليوم معيارا لتقدم الدول، وسط مزاحمة شديدة من الدول الكبرى ودول إقليمية تمتلك من الثروات الطبيعية، أكثر مما تمتلك تركيا حتى الآن، ووسط ضغوط أمريكية وأوربية لإجبار أردوغان على إعادة النظر بمواقفه المعلنة من القضايا الإقليمية والدولية.
2 – مهما كان مستوى العلاقات بين الدول، المتجاورة منها والمتباعدة، يبقى هامش لا يمكن التغطية عليه أو تخطيه من التنافس بينهما، سواء فيما يتصل بمناطق النفوذ السياسي أو المصالح التجارية والأمن القومي، وهذه بديهية يجدها المراقب الحصيف حتى على المستوى الاجتماعي، وإذا ما سحبنا هذا الأمر على العلاقات التركية الإيرانية، فلا يمكن أن نلاحظ تطابقا بين البلدين في كل الميادين، مع أن تركيا ساعدت إيران في مواجهة العقوبات الاقتصادية الأمريكية المفروضة عليها بسبب طموحاتها النووية التي تثير قلقا دوليا مشروعا، حصل هذا على الرغم من أنهما يعيشان تاريخا طويلا من الصراعات السياسية والعسكرية، بعد قيام الدولة العثمانية عام 1299، ووصل ذروته بعد قيام الدولة الصفوية في فارس عام 1501، وبخاصة في معركة جالديران عام 1514، أي أن هذا الصراع يرجع في كثير من فصوله، إلى أن فارس كانت تعيش هاجسا مدمرا بأن امبراطوريتها التي أسقطها العرب في القادسية، لم يتمكنوا من إعادة تنظيم صفوفهم والتقاط الفرصة التاريخية التي اتيحت لهم بعد سقوط بغداد عام 1258، وبدلا منهم التقط العثمانيون اللحظة الفاصلة فأقاموا دولتهم التي عمرت سبعة قرون، ولهذا وفي ردة فعل يائسة، أنتج الفكر الفارسي صيغة حكم يستند على فكرة دينية انقسامية تحت لافتة الولاء لأهل البيت، فلقد تركت قوة الإسلام التي قوضت أركان الدولة الساسانية في قادسية الفاروق وسعد، ندوبا في الضمير الجمعي الفارسي لم يكن ميسورا أن تمحوها قرون طويلة من الانخراط تحت حكم الدولة العباسية.
وبعد عهود طويلة من التقلب بين احتلال وآخر خضعت له المنطقة، ثم قيام الدولة الحديثة في المنطقة، كان طبيعيا أن تخطط تركيا بهدوء لإقامة علاقات متينة مع دول المنطقة، ومن أجل ألا تثير حفيظة إيران، في منطقة ظلت هذه الأخيرة تحتكر التحرك فيها ومن خلال تجنيد رعاياها في دولها، وبالتالي قد تشعر بأن أي وجود آخر سيعد منافسة غير مشروعة لمصالحها، في منطقة كانت تمتلك حساسية عالية تجاه حكم الأعاجم بصرف النظر عن القومية التي ينتمون إليها.
لذلك كان على تركيا الحديثة أن تضع خططا على المديات القريبة والمتوسطة والبعيدة، لتطويق النفوذ الإيراني المنافس لها سياسيا وأيدولوجيا واقتصاديا، وحصره في النطاق الذي وصل إليه، وعدم منح إيران فرصا مجانية أكثر مما تحقق لها للتوسع على حساب مصالح تظن تركيا أنها أقرب إليها من إيران، مستفيدة من حقيقة أن الدور الإيراني ومنذ تأسيس الدولة الصفوية ثم القاجارية وبعدها الدولة الشاهنشاهية، ثم الإسفار عن أكثر الأنياب شراسة وحقدا على العرب والمسلمين الذين لا يتبعون نظرية ولاية الفقيه تلك البدعة التي جاء بها الخميني، من خلفيات دينية وقومية تحمل موروثا من الأحقاد الشخصية والقومية، مصحوبة بالإرهاب والقمع وتكفير المعتقدات التي تنهجها المجتمعات العربية والإسلامية، على حين أن تركيا تخلت ومنذ زمن بعيد، عن كل أفكار الضم والقضم والتوسع لأنها تعي جيدا أن هذه الأفكار فضلا عن أنها لن تتحقق فإنها ستثير ردود فعل من الكراهية وإحياء حساسيات قديمة، فاعتمدت بدلا من ذلك دبلوماسية ناعمة، تعتمد الدخول إلى الدول الأخرى من بواباتها الرسمية، وعبر اتفاقيات ثنائية تستند على أساس قانوني دولي، يعتمد لغة المصالح المشتركة والمنافع المتبادلة وينبذ التدخل بالشؤون الداخلية للدول المستقلة، ويعتمد مبدأ التكافؤ بين الدول الصغيرة منها والكبيرة.
3 – بذلت تركيا ومنذ وصول الخميني إلى الحكم عام 1979، سياسة من دون أنياب ومخالب، وحرصت على تدوير النهايات المدببة في علاقاتها الإقليمية، كما حاولت من خلالها إرضاء إيران وأعدائها على حد سواء، ربما لأنها تعرف كل ما يجب أن تعرفه عن غاطس خطة وصول الخميني إلى الحكم، وأكثر مما يجب عن تواطؤ الغرب للتخلص من حكم محمد رضا بهلوي، الذي صار يحمل أفكارا إمبراطورية أكبر من أن تتحملها القوى الدولية الكبرى، ونزعة استقلالية تسعى لجعل إيران رقما في المعادلة الإقليمية وشرطيا لمنطقة الخليج العربي، وكذلك تطويق الاتحاد السوفيتي السابق بحزام الفتن الدينية، لا سيما وأن دول القوقاز التي احتلها السوفيت وأضافوها إلى ممتلكاتهم، هي دول إسلامية ومن ضمنها أذربيجان السوفيتية ذات أغلبية شيعية، فظن الغرب أن ما تسمى بالجمهورية الإسلامية في إيران، ستكون أكبر قوة قادرة على هز الاتحاد السوفيتي من الداخل، وبعد أن أسفرت (ثورة الخميني) عن وجهها العدائي ووجهتها الحقيقية، وتأكد لكل ذي بصيرة أن الهدف لم يكن مواجهة الاتحاد السوفيتي السابق (والخارج من معادلة التوازن الدولي لأسباب داخلية أكثر منها خارجية)، بل العرب حصرا ومن دون استثناء ابتداءً بالعراق، فاجأت تركيا العرب عندما وضعت صراعها القديم مع بلاد فارس على الرفوف العالية، وأمسكت بالعصا من الوسط، وتجاهلت أن نظامها السياسي قام على أسس علمانية لا تأخذ بالمفهوم العلماني الأوربي الذي يزعم أنه محايد بين الدين واللادين، بل تحمل فكرا علمانيا عدوانيا ناصب الإسلام عداءً لا مزيد عليه، فأغلق المدارس الدينية وتحول نحو الحروف اللاتينية بدلا من الحروف العربية ومنع رفع الأذان باللغة العربية، وظن بعض المراقبين أن تركيا ستتخذ خطا سياسيا معاديا للتوجه الديني التوسعي الذي يطرحه الخميني أقوى من أي نظام حكم آخر في المنطقة، ولكن تركيا تجاهلت عن عمد كل المتغيرات الإيرانية ذات الطابع الديني التوسعي، على الرغم من أنها مجتمع متعدد الأعراق والمذاهب والأديان، وبدلا من ذلك أنعشت أفكارا ظلت تعشعش في العقل السياسي التركي، طيلة القرن العشرين، وذلك بتحميل العرب جانبا من أسباب سقوط الدولة العثمانية، متجاهلة أن من أسقط تلك الدولة هو العداء الغربي، الذي أطلق على الدولة العثمانية اسم (الرجل المريض)، والتواطؤ بين جمعيات تغريبية، تم تأسيسها في طول البلاد وعرضها، مع الحركة الصهيونية، وكانت تخطط بصمت مع الغرب وليس مع العرب لإسقاط الدولة، والذي تم بقوة عسكر أتراك منحدرين من أصول يهودية من الدونمة، على رأسهم كمال اتاتورك.
على العموم رأت تركيا الحالية التي تحكمها نخبة ذات توجهات إسلامية، أن فتح صفحة جديدة مع العرب، هو أولى من نبش قبور الماضي، طالما أن الطرفين يتعرضان لمخاطر جدية، من التقاء مصالح استراتيجية للغرب وإسرائيل وإيران، لا يمكن أن تنسى نتائج طرد فارس من بغداد على يد السلطان العثماني سليم الأول، تماما كما أن تركيا يجب ألا تنسى أن وقف الفتوحات العثمانية في أوربا، كان سببه الوحيد هو تحريك الجيش الفارسي على الحدود الجنوبية للدولة العثمانية، وليس العرب.
4 – دشن أردوغان ولايته الحالية بجملة مبادرات مع المملكة العربية السعودية والامارات العربية المتحدة ومصر، وإن كانت نجاحاتها متفاوتة، إلا أن الجولة الخليجية الأخيرة لأردوغان، كانت لافتة بحجم المكاسب التي انعكست على الطرفين، وتمثلت بتوقيع عقود ضخمة في مجال الصناعات العسكرية وفي المقاولات والتجارة البينية، ويعتقد كثير من المراقبين أن جبلا من الجليد بين تركيا والعرب، بدأ بالانصهار السريع، مما سيؤدي إلى فرض حقائق جديدة على مستوى العلاقات الإقليمية والأمن الإقليمي، والعلاقات الدولية وتأثير التحالفات الجديدة على القرار الدولي بشأن التعامل مع الطرفين، إن خلصت النوايا وحافظت على قوة الدفع التي بدأت بها.

مقالات ذات صلة

د. نزار السامرائي

عميد الاسرى العراقيين

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى