بعد التطبيع السعودي الإيراني هل هي عودة جديدة لتركيا إلى الوطن العربي بعد تحرر الطرفين من عُقد الماضي القريب

الجزء الثالث

ب – أسباب خليجية
1 – راهنت دول الخليج العربي، على الأمن المستورد بالاعتماد على وعود وتعهدات غربية، وخاصة من قبل الولايات المتحدة، بصيانة أمنها القومي من التدخلات الخارجية، ويبدو أن دول الخليج أخذت على محمل الجد، ما حصل بعد دخول العراق إلى الكويت، وما قامت به الولايات المتحدة من حشد عسكري دولي تزعمته مجرمة الحرب مارغريت تاتشر، وعربي ساهمت به بعض الجيوش العربية لا سيما تلك التي أرسلها كل من حسني مبارك وحافظ أسد، أو بالإنفاق المالي المفتوح الذي تعهدت به السعودية وحكام الكويت الفارين منها إلى السعودية، وكذلك الإمارات العربية وما قدمته قطر من تسهيلات في قواعدها الجوية للطائرات التي أغارت على العراق.
غير أن حسابات الحقل لم تتطابق مع حسابات البيدر، فكان الفرق شاسعا بينهما، فمن رفع صوته ضد إيران في مرحلة من المراحل، أو حاول رفع سيفه بوجهها في مرحلة أخرى، اكتشف أن إيران باتت تهدد سفن الولايات المتحدة وتعتقل جنودها بالزوارق السريعة في مياه الخليج العربي، وتذلهم بطريقة مسرحية وكأن أمريكا عاجزة عن حماية جنودها المنتشرين في العالم، وبعد تلك المسرحية بفترة ليست قصيرة، فهم الخليجيون أن هذه رسالة موجهة لهم من الطرف الذي وضع لها السيناريو ومن أخرجها ومن مثلها، أي أن على العرب أن يفهموا أن أمريكا ليس بوارد الدفاع عنهم كما حصل عام 1991 وحتى عام 2003، إما لأسباب تتعلق بما تكبدته خلال احتلالها للعراق من خسائر، أو لبروز قوى دولية جديدة ليست على استعداد للمضي وراءها مغمضة العيون، أو لتصاعد ردود الفعل الرافضة لتوجهات الهيمنة الأمريكية أوربيا، والرفض الداخلي للمغامرات الخارجية غير المحسوبة النتائج والمستندة على أكاذيب وتلفيقات ألحقت ضررا بالمتعدين أنفسهم وهددت مصالحهم الاستراتيجية، لذلك انطلقت دعوات خليجية لتحكيم العقل وعدم الجري وراء السراب الأمريكي، وبعد أن أخفقت عملية عاصفة الحزم السعودية في اليمن، وتأكد عدم قدرة الأمير محمد بن سلمان على نقل الحرب إلى داخل إيران كما كان قد وعد، وحصول انقسام داخل مجلس التعاون الخليجي وتحول المعركة إلى قطاع مقاولات بين أطراف لكل منها أجندته الخاصة المتصادمة مع الحلفاء الآخرين، وانتقال التهديد الإيراني إلى قصف مؤذٍ للمرافق النفطية شرقي المملكة وقصف المدن الحدودية بالصواريخ الإيرانية الصنع من قبل الحوثيين المدعومين أمريكيا وأوربيا، ولما وجدت الدول الأقل قدرة من السعودية، أن المملكة لم تكن على مستوى التحدي، قررت الانسحاب بصمت، وكذلك تبخرت وعود (مسافة السكة)، وترك الجميع السعودية وحيدة في المواجهة، مع وجود قوى يمنية منقسمة على نفسها، وسلطة غير قادرة على اقناع اليمني بجدارتها في تمثيله وسحب البساط من تحت أقدام الحوثيين.
في ظل هذه الظروف كانت الاتصالات السرية جارية على قدم وساق بين السعودية وإيران، السعودية لكي تتجنب المزيد من الضربات الجوية وتريد الإفلات من المستنقع اليمني الذي دخلته بمحض اختيارها، أما إيران التي باتت على وشك الانهيار الاقتصادي، فأرادت القبول بحل مرحلي يضمن عدم انهيارها، وعدم التسليم لأي طرف بإيقاف قوة الاندفاع في برنامجها النووي والصاروخي وعدم الانصياع لدول المنطقة بعدم التدخل في شؤونها الداخلية.
علينا هنا أن نحلل من هو الكاسب ومن هو الخاسر من صفقة التطبيع السعودي الإيراني؟
من دون مزايدة على أحد ومن دون التقليل من آثار ما وقع، علينا أن نفهم أن إيران لا يمكنها أن تحترم ما تتفق عليه مع أي طرف، وإذا ما حصل وأن أنجزت ما وعدت، فمعنى ذلك وجود خلل فادح في سلوك إيران، أو أن إيران لم تعد هي، لأنها المجبولة على نوايا السوء والغدر، فتلك خاصية ملتصقة بهذا الإقليم من الكرة الأرضية، إذا تخلت عنه فمعنى ذلك أنها سائرة بسرعة فائقة إلى زوال.
إيران استغلت حالة الاسترخاء التي عاشها الآخرون تجاه خططها ونواياها، بسبب اطمئنانهم لما أطلقته من وعود، لأن أحدا غير العراقيين لا يعرف حقيقة ما تفكر به إيران وما تخطط له، فاذا قالت نعم فإنها تقصد لا، والعكس صحيح، مع أن العراق تحول إلى ساحة كرة قدم لإيران، بفعل ما قدمه الغرب والعرب من دعم لها لتدمير التجربة العراقية الواعدة، ولنلقي نظرة سريعة على مسار القضية اليمنية باعتبارها ساحة الاختبار الأول لنوايا إيران بعد التطبيع مع السعودية، هل حصل تطور ما؟ أم أن الحوثيين تمادوا في غيهم ووسعوا من أنشطتهم الإرهابية، مع تعديل طفيف أن تلك العمليات باتت تستهدف اليمنيين أنفسهم وتتوسع على حساب مدنهم، ولا يحصل مثل ذلك على الأراضي السعودية، كما أن التحرك السياسي المصطبغ بالبرنامج الديني التوسعي في الدول العربية وأفريقيا، قد انطلق بقوة لا ينتظر موافقة أحد، طالما أن أموال العراق وخزينته تحت تصرف الولي الفقيه ينفق منها كيفما يشاء ويقبض متى أراد، نعم تتحرك إيران من أجل إدخال تعديلات على نسب أعداد المسلمين في العالم والتخلص من عقدة الأقلية.
2 – بعد انتهاء معركة القادسية الثانية التي كانت أطول حرب عرفها القرن العشرين، والتي قدم فيها العراقيون الدم رخيصا دفاعا عن وطنهم وأمتهم، ثم تكللت بانتصار عسكري ساحق للعراق على إيران، تجرع فيه الخميني كأس السم هو وقيادته السياسية والعسكرية، طُرحت في بعض الأوساط الغربية ثم انتقلت تلقائيا إلى الدول الخليجية، تساؤلات حائرة عما إذا كان خروج العراق من الحرب بهذا الحجم من الانتصار، وبهذا الثقل السياسي والعسكري، سيشكل تهديدا لدول الخليج العربي وأمن الطاقة وعلى دوله كلا أو جزءا؟ وأيهما الأقل خطرا هل هو بلد عربي مجاور لها، أم بلد غير عربي بعيد نسبيا معروفة أخطاره وبالإمكان مواجهتها بأقل التكاليف؟
هنا يحضرني حوار لي مع وكيل وزارة التعليم في دولة الامارات العربية وهو خريج كلية التربية جامعة بغداد فرع الجغرافية وكان أستاذه عمي المرحوم الدكتور أحمد السامرائي، جرى عام 1973 أثناء مأدبة غداء أقامها لي في أكبر فندق في دبي في ذلك الوقت، فسألته عن ظاهرة أقلقتني في أسواق الإمارات وهي سيطرة الأعاجم عليها، وقلت لماذا تستعينون باليد العاملة من شبه القارة الهندية ومن إيران؟ قال بصراحة يا أخي نحن نخاف من تأثيرات اليد العاملة العربية، لأن معظمهم مسيَسون بالفطرة أو بتوجيه حكوماتهم، وإذا ما قررنا لأي سبب، طرد عامل مصري على سبيل المثال، فإن الدولة المصرية ستتدخل بكل ثقلها لحمايته، ويتحرك الإعلام المصري لن يترك لنا خيارا للدفاع عن أنفسنا، وإذا حصل منّا رد فعل فسوف نواجه بموقف رسمي مصري صعب، أما أنتم العراقيون فاسمح لي أن أقول لك، إن العراقي أنفة (خشمة يابس)، ومتعالٍ على رب العمل، ومن المستحيل ضبطه أو التحكم في سلوكه الوظيفي، فلماذا نستورد النيران ثم نبحث عن الاطفائية؟
أما إذا طردنا آلاف العمال الاسيوييين، فلن يتدخل أحد لأن الباقين يشكلون مصدرا ماليا لبلدانهم، ولهذا تخشى بلدانهم من اي رد فعل يعرض مصير بقية العاملين للخطر وهم بمئات الألوف.
ربما تجسد هذه النظرة القاصرة مشاعر الأشقاء الخليجيين من العراقي أينما حل، والتي هي مزيج من الكراهية والاحترام.
بعد حروب إقليمية كبيرة وصغيرة، تركزت في معظمها على العراق، كانت إيران خلالها تبني قوتها العسكرية تحت نظر الولايات المتحدة وسمعها، وتُقيم الصناعات الحربية العملاقة، وتتحين الفرصة للانقضاض على من كانت تتهمه صدقا وكذبا، بأنه دعم العراق خلال حرب الثماني سنوات، ولأن مشاعر الكراهية تجاه العراق والتي استوطنت في نفوس كثير من الخليجيين حكاما ومحكومين، فقد اعتبر بعضهم أن وجود قوة إقليمية تردع العراق عن التفكير بمعاودة الحرب عليها، ولكنهم بالنتيجة كان كمن يربي في حجرة نومه أفعى لتقيه شر صقر قد ينقض عليه أو لا يفعل ذلك، فتحولت إيران مع الزمن وبدعم أمريكي وتجاهل غبي، إلى أكبر قوة عسكرية معلنة في المنطقة، ولما أصيب حكام الخليج العربي بحالة يأس من إمكانية استنفار الولايات المتحدة للدفاع عنها، انتقلت من الخطاب الذي ارتفع بعد عاصفة الحزم، إلى خطاب على النقيض مما سبقه، فبدأت بخطب ود إيران وهي تعلم علم اليقين أن إيران تصافح باليد اليمنى وتحمل خنجرا مسموما باليد اليسرى، تتحين الفرصة لعطن الطرف الآخر الذي استضعفته واعتقدت أنه عاجز عن حماية نفسه أو جلب القوى الدولية لحمايته.
عندما وصل العقل السياسي الخليجي إلى هذه النقطة، بدأ بتصفير أزماته الخارجية، وخاصة مع دولة بعيدة نسبيا عن الخليج العربي، وتتبع سياسة خارجية متوازنة، تسعى هي الأخرى لتصفير مشاكلها الخارجية وهي تركيا الدولة الصاعدة اقتصاديا وسياسيا وعسكريا، في بداية علاقات تطوي صفحة الماضي بكل سلبياته وتفتح صفحة جديدة، تنعكس إيجابيا على طرفي المعادلة، فلا دولة اليوم تعمل كجمعية خيرية، ولا دولة تنظر إلى نفسها كمتسول دولي ينتظر متى يتصدق عليه الخيرون بفائض ما لديهم.
في تقديري أن صفحة العلاقات التركية مع دول الخليج العربي ثم مع مصر بعد ذلك، جاءت نتيجة حسابات عاقلة من طرفين يظنان أن أسباب الالتقاء بينهما أكبر من أسباب الخلاف، فهل تصدق الظنون فتتحول العلاقات الخليجية التركية الجديدة إلى سياج يحمي الطرفين؟
هذا ما نأمله.

مقالات ذات صلة

د. نزار السامرائي

عميد الاسرى العراقيين

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى