بغداد عن قرب

ببطء شديد بدأت رحلة التكيف مع لغز بغداد الكبير الذي كنت أشعر به قبل أن استوطنها قادما من قرية لا تبعد عنها كثيرا ثم إنها مرتبطة بها إداريا عندما كان اسم بغداد “لواء بغداد”، وحتى طلبة مدرسة “دار السلام الأهلية” التي بدأتُ رويدا رويدا أندمج بهم واتحدث بلهجتهم وأمارس ألعابهم، نجحت في تكوين علاقات متينة مع بعضهم، فليس من المهم أن تكون للإنسان علاقات واسعة بل المهم أن تكون له صداقات متينة مع عدد محدود من الأشخاص، ولكن كلمة واحدة استعصت علي في اللفظ، وهي كلمة “بيبيتي” لم يشأ لساني نطقها بهذا اللفظ التركي وأصررت على لفظها بكلمة “جدتي” تلك الكلمة العربية المحببة، فعندما أقول جدي فما يقابل ذلك اللفظ هو جدتي، فلماذا يقولون بيبيتي؟ عجبت من هذه الكلمة بل كرهتها لأنني تعرضت إلى ضغوط متعددة من أجل التخلي عن كلمة جدتي وأن أقول بيبيتي بدلا عنها، قالوا لي أن كلمة بيبيتي كلمة مدنية رقيقة جدا ودليل الرقي، بحثت عن مدنيّتها وعن رقتها فوجدتها كلمة دخيلة على اللغة العربية وبالتالي ليس كل ما هو مستورد هو مدني وكل محلي هو قروي متخلف، صحيح أن كلمة جدتي كلمة جلبتها معي في صرّة ملابسي من طويبة وحملتها بثقة عالية، إلا أن اعتبار كل ما هو قروي على أنه هجين ومتخلف هو التخلف بعينه، ربما بدأت أول خطوة في حياتي لشن هجوم مقابل، فبدأت بنشر الدعوة للتحول من بيبيتي إلى جدتي، لكنني وجدت تمسكاً من أولاد عمتي أم عدنان رحمها الله وهي كبرى شقيقات والدي، وتكبره بعامين، على استعمال كلمة بيبيتي، ولم أفلح في تغيير أيٍ منهم، إلا أنهم اقتنعوا أخيرا من أنني عصي على الاختراق أيضا، لكنني وجدت أن ابن عمتي الأكبر عدنان رحمه الله هو الآخر لا يقول بيبيتي، فاعتبرت ذلك انتصارا، أما أبناء عمتي أم عامر فقد اختاروا لأنفسهم مصطلحا خاصا وهو ماما أم غازي عندما ينادون جدتي لأبي، وغازي هو عمي الأصغر ومدلل جدتي أما في خارج المنزل فلم أنشر دعوتي خشية الاتهام بالتخلف، وعليّ أن اعترف بأنني عشت هذا الهاجس في لفظ المصطلحات، وكأنه بحر يفصل بين عالميْ التخلف والتمدن، وكأن هجر اللغة العربية واستيراد كلمات أعجمية هو الدليل الوحيد على التمدن، كان ذلك مما ضاعف من رغبتي في عدم خوض الحديث مع أحد.


لا تبعد المدرسة عن بيتنا كثيرا فالبيت الذي نقطنه كان يقع في الشارع الذي يشكل امتدادا لجسر الملكة عالية “الجمهورية بعد 14 تموز 1958” والذي لم يكن قد بوشر به عند وصولي بغداد ثم بعد ذلك تم استملاك البيت وتهديمه لغرض فتح الشارع المؤدي من جسر الملكة عالية نحو معسكر الوشاش أو متنزه الزوراء فيما بعد، وكمعظم العراقيين إذا سكنوا في منطقة ما فإنها تصبح جزءً من حياتهم ولا ينتقلون منها إلا على كراهة، فقد بنى عمي عبد الرحمن بيتاً في منطقة أقرب إلى البلاط الملكي الذي صار القصر الجمهوري فيما بعد على مقربة من كنيسة مار زيا، وانتقلنا إليه عام 1957، ثم إن الملك فيصل الثاني رحمه الله، لم يكن قد تُوجَ في ذلك الوقت، والمدة التي أقطع فيها المسافة بين بيتنا والمدرسة لا تتعدى النصف ساعة إذا قطعتها على مهل، كان الطريق الرابط بين الساحة القريبة من جسر مود أو الملك فيصل ثم بعد 14 تموز الأحرار، وشارع بيتنا والتي قد تقرب من كيلومترين أو أقل من ذلك، طريقاً من ممرين وتعبيده كان قديما وبأسلوب بدائي وتتوسطه جزرة وسطية أشبه ما تكون ساقية غير عميقة تمت زراعتها بزهور الدفلى الجميلة وذات الألوان المتعددة والتي رأيتها لأول مرة في حياتي وحينها سألت نفسي لماذا إذا أردنا أن نذم طعم اي أكلة أو شراب نقول “مرّ مثل الدفلى” هل تستحق هذه النبتة الرائعة مثل هذا الوصف؟ ولماذا لا تشفع لها زهورها الرائعة في إزالة هذا الوصف، وهل على الإنسان أن يأكل الدفلى كي يحبها؟

مقالات ذات صلة

هذا الطريق على ضعف انجازه ونوعية الاسفلت الذي رُصف به، لا يمكن مقارنته بالطريق الرابط بين طويبة وبلد الذي يقطع القرية عن العالم عند سقوط الأمطار فتتعطل الحياة كليا، فلا اتصالات هاتفية وقد بذلت جهود لفتح مخفر للشرطة في طويبة، ولكن التقارير لم تكن مشجعة، إذ تمر الأيام والأسابيع والشهور والسنون ولا تُسجل جريمة في المنطقة، وحتى الخلافات التي تقع بين الفلاحين على حقوق السقاية يتم حلها في مضيف الحاج جاسم.
كما لا يمكن مقارنته بالطريق الرابط بين بغداد وسامراء ولا أريد الحديث عن طريق بغداد الموصل.
فضلت التعامل بصمت مع ما يحيط بي أو يصادفني من أحداث أو أسمع من أحاديث عدة شهور، فقد تعودت أن أصمت ست سنوات فما الضير أن أصمت سنة أخرى في أوقات أختارها وأتحدث في أوقات أخرى، فالصمت فرصة عميقة للتأمل والتفكر بكل ما يحيط بي من الأشياء الجميلة والسيئة، وبدأت ألغاز بغداد تتداعى أمامي وكلماتها المتقاطعة تُحلّ من تلقاء نفسها ببساطة، ومع ذلك فقدد سّبب الصمت لي مشكلة من نوع جديد مع زملائي في الصف وفي المدرسة، ربما كنت منطويا على نفسي أكثر مما ينبغي أو هكذا اعتقدني الآخرون وما دروا أنني كنت أدرس طباعهم واتعلم منهم بالصمت أكثر مما كنت سأتعلمه لو اختلطت بهم بلا تدبر وتفكر، فقد دخلت في خصومات وصار عندي احساس أن كثيرا منهم يرتابون مني، كان اثنان من أصدقائي وهما ضياء حسين علي مبارك وأدهم خميس الضاري يحثاني على الاندماج ببيئتي الجديدة ولكنني كنت حتى مع ضياء وأدهم اتحفظ قليلا في الانصهار، او الانفتاح على بيئتي الجديدة بأوسع مما تستوجبه متطلبات غريب يريد الوصول إلى حلاوة الاكتشاف بنفسه، ذلك طبع اكتسبته عند وصولي إلى هذه المدينة القاسية الحبيبة، فكرهت بغداد بقدر ما أحببتها ولكن لم يعد هناك خيار آخر أمامي.


في أحدى المرات اصطدمت مع عدد من الطلبة الآثوريين لقضية افتعلوها معي من دون سبب، بل لمجرد عزوفي عن الاندماج معهم في لهوهم، وربما بسبب أن المس (وهذا وصف نطلقه على المعلمات) ألس وهي معلمة رقيقة وكانت تدرسنا الدين المسيحي قصت لنا قصة سيدنا إبراهيم عندما عزم على ذبح ابنه، فقالت أراد إبراهام التضحية بوحيده إسحق وكان هناك طرف ثالث يقف على مقربة من إبراهام فمن هو؟ وجهت السؤال لنا جميعا ولم يجب أحد فقلت الشيطان، فقالت لهم مسلم يعرف تفاصيل دينكم أكثر منكم، المهم بمجرد أن قالت إسحق حصلت شوشرة بين الطلبة المسلمين، فقال زميلي فائز الكيلاني بصوت عال، لا ٠٠٠٠ مس الذبيح هو إسماعيل وليس اسحق، وهنا انفجر نزاع بين عقيدتين ثم تطور إلى تلاسن بين الطلبة، حتى استدعت المس ألس الاستاذ غانم مدير المدرسة فحلها بالتراضي بين الطرفين، ولكن المشكلة لم تنته عند هذا الحد انفجرت مرة أخرى بين الطرفين في الفرصة، مما أدى إلى معاقبة الأغلبية المسيحية في المدرسة من قبل مدير المدرسة، فأضمروها في قلوبهم حتى انتهاء الدوام وحصل الاشتباك الذي وصل حد الضرب بالأيدي والحجارة، طبعا كنت من المصابين بجرح أو خدش بسيط، ولما عدت إلى البيت وكان يوم جمعة كان عمي شامل موجودا، تجنبته خشية من العقوبة، ولكن من دون جدوى وعندما رآني غضب أشد الغضب علي، وقال أتينا بك من طويبة لكي نخلصك من كل المخاطر وها أنت في قلب مشكلة جديدة.
عمي شامل كان طبيبا والتحق بخدمة الاحتياط كضابط برتبة “رئيس” وتعني بتسميات الرتب الآن نقيب، وكان ضابطا طبيبا في مستشفى الرشيد العسكري، ولم يتوقف استجوابي عن حادثة يوم الجمعة، قال حسنا سأذهب معك يوم الاثنين إلى المدرسة لأفهم حقيقة ما جرى، يوم الاثنين كنت واثقا أن النتيجة ستكون لصالحي، فعلا وقبل أن يذهب إلى عمله في مستشفى الرشيد، ذهبنا معا إلى المدرسة ودخل إلى مدير المدرسة الاستاذ غانم، فسأله عن حقيقة ما جرى، لأن قلبه لم يكن مطمئنا إلى سردي للحكاية، ولما أكدها المدير له وعرف ما حصل لي سأله عمي هل يصح أن يحدث هذا في مدرسة اسمها دار السلام اتخذ المدير قرارا حازما بمعاقبة الطلبة المشتركين في إثارة المشكلة أمام التجمع الصباحي للطلبة قبل أن يتوزعوا على الصفوف، فأخرجهم واحدا بعد الآخر وفعلا عاقبهم أمام الجميع وحذر من تكرار المشاحنات لأننا جميعا أبناء وطن واحد ولا يجوز لنا أن نختلف على قضية هي بالأصل قضية عقيدة دينية ويجب ألا تؤثر على صدق حبنا للعراق، ومنذ ذلك اليوم لم تحصل مشكلة بين الطلبة أو على الأقل معي فمجيء عمي شامل بملابسه العسكرية وعلامته الطبية على سدارته وضعت حدا للتساؤلات عن انحداري الاجتماعي.
وقد ايقنت بعد عدة سنوات أن بغداد أخذت من دجلة والفرات طباعهما كاملة، فهما عندما يغضبان في مواسم الفيضان يتحولان إلى وحشين كاسرين يأتيان على كل شيء فيقع الدمار والموت وتهجير السكان وكأنهما يريدان الانتقام من بلاد ما بين النهرين، وفي المواسم الأخرى هما وديعان هادئان إلا في بعض الأحيان يختطفان شباباً في ريعان العمر لأنهم اطمأنوا فيختطفان الحياة بهدوء وصمت من دون أن يحاسبهما أحد، لوداعة زائفة في مياههما المنسابة بهدوء لتصنع الحياة على طول مجراهما حتى يصبّا في شط العرب، بغداد مدينة ألف ليلة وليلة وسحرها، هل فكر أحد بعدد المرات التي خرجت من جلدها وهدوئها، عند وصولي إليها كانت بغداد تنعم باستقرار يوحي أنها تمتلك وداعة إذا وزعتها على الأرض لبقيت منه فضلة كبيرة، لم أر ما يثير ريبتي ويلغي تصوري الذي كونته عنها خلال سنوات قصيرة أمضيتها في بغداد، وإن كنت قد رسمت صورة ذهنية سبق وأن سمعتها عن قسوة أبنائها وقسوة الشرطة في تعاملها مع متظاهري انتفاضة الجسر ردا على معاهدة بورتسموث التي وقعتها حكومة صالح جبر عام 1948، إذ تناقل أصدقاء خالي فرحان، أن عمي عبد الرحمن كان من المشاركين في التظاهرة عندما كان طالبا في كلية الحقوق، ينقل عنه إن عناصر الشرطة اعتلوا مئذنة جامع حنان في ساحة الشهداء وأطلقوا النار على المتظاهرين، فقتلوا وأصابوا عددا منهم، وأن المتظاهرين بعد أن حوصروا بين الموت والموت فضلوا المجازفة فألقى بعضهم نفسه في نهر دجلة من فوق الجسر، كان الطقس باردا وبعضهم لا يجيد السباحة.

د. نزار السامرائي

عميد الاسرى العراقيين

تعليق واحد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى