كل شيء يتغير

مقالة جديدة للأستاذ الدكتور محمد طاقة جديرة بالاهتمام والقراءة، يتناول فيها أمور فلسفية حول أهمية التغيير والتطور في حياتنا. والذي يتطلب منا أن نتفاعل مع هذه التطورات الفكرية والسياسية والاجتماعية وأن نطور أنفسنا بما ينسجم مع هذه التحولات التي تحدث في العالم. الأهم من ذلك هو أن نعمل جاهدين على تغيير نمط تفكيرنا لكي نتمكن من اكتشاف الحقيقة الموضوعية حتى نتمكن من مواكبة مايحدث من حولنا.

مقالات ذات صلة

علمتني الحياة، لا شيء يدوم على حال، فالكون كله قائم على الحركة، لا الجمود، كل شيء من حولنا يتغير ويتطور، كل شيء في الطبيعة يتغير، كلها في حالة حركة مستمرة دون انقطاع، وكل شيء له نهاية في هذا العالم، ولا شيء يدوم، فكل شيء ينتهي ويتغير، لا شيء يدوم الى الأبد، تتغير الأشياء مع مرور الزمن، حتى الظروف والأشخاص والمشاعر والأفكار، وكما يقال (دوام الحال من المحال) ولم نعد كما كنّا أبدا.
وبنفس الوقت هنالك أمور ثابتة في الحياة، كالحب والكراهية، والخير والشر، طالما الانسان موجود في الحياة، فكل شيء في الحياة نسبي عدا التطور مطلق، والتطور في زمان ومكان محدّدين يكون نسبياً … وعلى هذا الأساس لم يتمكن الإنسان لحد الأن من معرفة الحقيقة الموضوعية المطلقة، أي معرفة سر الحياة، لماذا نولد ولماذا نموت، وسر تشكيل الكون، وكيف تم كل ذلك؟ فالموت حقيقة مطلقة، كوّن جميع البشر تموت ولا أحد ينكر ذلك … ولكن بعد الموت ماذا يحدث؟ ولطالما الإنسان لن يدرك ماذا يحدث، ولن يتلمس ذلك بحواسه الخمسة لذا لن يتمكن من الوصول إلى الحقيقة الموضوعية، كون الإدراك لدى الإنسان نسبي وليس مطلق. لقد خُلقنا لنتعامل مع حقائق نسبية وليست حقائق مطلقة، ومهما بحث الإنسان وتعمّق بالأشياء التي حوله لن يصل إلى العمق المطلق في ادراك الحقيقة.
فكل شيء يدركه الانسان بحواسه الخمسة، هو شيء حقيقي ولكنه بنفس الوقت هو حقيقة نسبية وليست مطلقة. طالما كل شيء من حولنا يتغير ويتطور، فالعقل يرفض كل شيء لا يأتيه عن طريق الحواس، ونعني بالحقيقة الموضوعية، العالم الذي نحسّه، العالم الذي يرد إلينا عبر حواسنا، هذا العالم الخارجي الذي نعيش فيه والمصنوع من أشياء يمكن أن نراها أو نسمعها أو نلمسها أو نتذوقها أو نشمها، وهي الأشياء المحسوسة الحقيقية والراسخة في حياتنا اليومية، وكل شيء غير محسوس يعتبر من الأشياء التي لا يمكن أختيارها، ونسميها بالخرافات أو قصص من نسج الخيال، وهي تمثل العقل الذي لا يحكمه المنطق ولا العلم، عقل يقبل أي شيء ويرفض أي شيء دون تفكير …
والمعرفة الحقيقية هي تلك التي لم ينسجها الخيال، ومفاهيمنا وأقوالنا تكون كاذبة إذا كانت لا تطابق الواقع. والحقيقة هي ليس الواقع نفسه كونه موجود أصلا، ولكنها تمثل معرفتنا عن هذا الواقع ،فإذا كانت المفاهيم الذي نحملها ونصرح بها متطابقة مع الواقع المعاش والملموس، فهي مفاهيم حقيقية والعكس صحيح. إذن هي تمثل مفاهيم الناس الصحيحة عن الواقع. إن المفاهيم والأفكار وحتى النظريات، إذا لم تلامس الواقع وتتفاعل معه، وتتطور بتطوره وتتأثر به ويؤثر بها ستبقى معلقة بالسماء ولا تحاكي الواقع المتحرك، وستبقى جامدة لا قيمة لها. منذ زمن بعيد قالوا لنا سيتم اختراع جهاز هاتف نستطيع رؤية المتكلم وهو يراك ايضا، ولم نصدق ذلك، كونه في تلك الفترة كان ضرب من الخيال، بأعتباره شيء غير واقعي وغير ملموس، واليوم وبعد التطور العلمي الهائل أصبح واقعا وحقيقة! إذن نستنتج من هذا المثال أن الحقيقة الموضوعية تتغير حسب الزمان والمكان، فما كان غير حقيقي، أصبح بمرور الزمن حقيقياً. وهذا يعني أن كل شيء في الحياة نسبي ومتغير ومتطور، والحقيقة نسبية ايضا … وهذا ما ينطبق أيضاً على الواقع السياسي المعاش والمتحرك والمتغير بشكل سريع جداً ، حيث يمر العالم اليوم بأخطر مرحلة من مراحل حياته، وهذه المرحلة التاريخية التي تعيشها البشرية، علينا وصفها بشكل دقيق وملموس وعلمي ومنطقي، كي نصل إلى الحقيقة الموضوعية وفق إدراكنا وحسنا. هذه المرحلة تتميز كونها تمثل نهاية مرحلة اللاتوازن والتي يجب أن تبنى على أنقاضها مرحلة التوازن الكوني، وتكمن خطورتها بسبب أن جميع التناقضات التي تعيشها البشرية وصلت إلى نهاياتها ودخلت مرحلة الانفجار الكلي ولا مجال إلى تأجيله أو تأخيره إلى زمن بعيد.
قدمت البشرية تضحيات جسام من خلال تطورها التأريخي عبر جميع مراحله، كون الانتقالات مرحلة تأريخية ألى أخرى أكثر تطورا منها، كلفت الإنسانية كثيرا من التضحيات البشرية والمادية، ولم يحدث أن انتقلت الإنسانية من حالة اللاتوازن ألى حالة التوازن بنحو سلمي، بل كان ذلك يحدث وبأستمرار، عبر سيل من الدماء … ويكون حجم هذه التضحيات يتناسب طردياً مع قدر تطور وسائل الأنتاج المستخدمة في تلك الفترة الزمنية، فكيف سيكون الحال والبشرية تستخدم اليوم أعلى ما وصلت إليه الإنسانية من تطور علمي وتقني وتمتلك أسلحة دمار شامل، بأمكانها إبادة نصف البشرية وتدمير بيئتها، فكيف سيكون عليه الحال إذا ما حدث ذلك؟! ونحن لا نتمناه أن يحدث.
لكن طبيعة التطورات الكونية وجميع المؤشرات والتناقضات القائمة اليوم على الساحة الدولية، فإن هذه العملية هي عملية تطور تلقائي وقانون جدلي لا يستطيع كائن من كان أن يوقفه، ولكن من الممكن تأجيله، وفِي نهاية الامر سيقع حتما. إن التناقضات بين قوة العمل وأرباب المال العالمي والمؤسسات المالية العالمية التي تسعى إلى تحقيق أعلى معدلات من الأرباح واستغلال قوة العمل بأبشع صورها داخل المنظومة الرأسمالية وفِي الولايات المتحدة الامريكية نفسها وصلت ألى حدها النهائي.
كما أن التطور التكنولوجي والتقدم الهائل الذي حصل بشبكة الاتصالات الواسعة هي الاخرى أدّت إلى تفاقم أزمة البطالة في الدول الرأسمالية وازدادت البطالة بشكل خطير بعد ظهور جائحة كورونا، حيث أصبح هنالك جيش من العاطلين عن العمل، ولايملكون الحد الأدنى من مستوى الدخل الذي يؤهلهم للعيش بالنحو الذي يحافظ على إنسانيتهم، وبنفس الوقت تعاني اقتصاديات هذه البلدان من مشكلة ارتفاع الأسعار المستمر والتي يصعب حلها هي الاخرى.
مما جعل الإنسان في هذه الدول يعيش ظروفا إنسانية واجتماعية واقتصادية ونفسية غاية في التعقيد، مما يجعل الظروف الموضوعية والذاتية مهيأة تماما لعملية التغيير الجذرية المطلوبة انسانيا.
كما أن عملية التطورات التكنولوجية التي تمركزت بشكل خاص في البلدان الرأسمالية، والتي أدت إلى تراكم رأسمالي ضخم جداً لدى تلك الدول وبالأخص لدى أمريكا، مما عمّق الهوّة الحضارية بين دول الشمال ودول الجنوب، والتناقضات التأريخية بينهما بدأت تتعمق أكثر فأكثر حيث أن دول الشمال منذ نشوء الرأسمالية تُمارس الاضطهاد والظلم وسرقة واستنزاف الطاقات المادية والبشرية لهذه البلدان واستغلالها استغلالا بشعا من أجل تحقيق مكاسب مادية رخيصة بعيدة كل البعد عن كل شيء انساني وحضاري مستفيدة من تفوقها العلمي والاقتصادي والعسكري والاعلامي … وغيرها من الوسائل المتاحة، سياسية وقانونية، وهيمنتها على قرارات مجلس الأمن والأمم المتحدة ومؤسساتها الاخرى. تفعل كل ذلك من أجل منع انهيارها …
لقد وصل الامر بهذه التناقضات جميعها، بين دول الشمال ودول الجنوب، هي الأخرى إلى حد الانفجار الحتمي.
إن هذا النهج الذي أخطته الولايات المتحدة الامريكية، يشكل تهديدا خطيرا على مستقبل البشرية جمعاء، وسيعمّق ويؤجّج من حجم التناقضات الموجودة على الساحة الكونية كالصراع بين اليورو والدولار، وبين دول الشمال ودول الجنوب، والصراع الطبقي داخل المنظومة الرأسمالية، وداخل امريكا نفسها، هذه الصراعات وصلت إلى ذروتها وغير قابلة للتأجيل، كما يحدث اليوم من انشقاق واضح داخل المجتمع الامريكي، والصراع بين الصين ومحورها وأمريكا ومحورها وداخل كل محور هنالك صراعات متعددة وبالأخص بين أوربا وأمريكا وروسيا والصين، ونجد صراعات بين جميع الأطراف، ونجد أنفسنا امام وضع خطير قد يقودنا إلى انفجار عارم ومخيف.
إن الإنسانية بحاجة اليوم، اكثر من اي وقت مضى، إلى نظام دولي جديد ينسجم مع تطورها ويستوعبوها، نظام يحقق العدالة الاجتماعية، ومستوى من الرفاه الذي تحقق فيه إنسانية الإنسان وينعم فيه بديمقراطية حقيقية غير مزيفة، ونظام يتحقق فيه أيضاً التفاعل الحضاري الإنساني الذي يخدم الجميع.
إن المنهج الامريكي المنفرد، أوصلنا إلى الأحادية القطبية وهي الأخطر في تاريخ البشرية، كونها تفرض الوصاية على الجميع، والذي لم يكن مع أمريكا فهو ضدها أو عدوها (فهذه هي شريعة الغاب بعينها)!
إن هذا المنهج مرفوض قطعا من قبل الجميع، وعندما يصل الوعي الجمعي الكوني إلى ذروته ستقف شعوب العالم صفاً واحداً بالضد من هذا المنهج. إن الوضع الكوني وصل إلى ما يشبه البالونة التي امتلأت بالهواء فبأي إضافة جديدة ستنفجر.
إن ما نعيشه اليوم هو أسوأ مرحلة من مراحل التطور التأريخي للبشرية، فالواقع هو أسوأ من مرحلة عصر الظلمات وأكثر بشاعة. من هنا نلاحظ أن التطور الذي حدث وسيحدث وعلى الأصعدة كافة، الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية والفكرية وغيرها … وهذه التطورات، تفرض على البشرية أن تتطور هي الاخرى وأن تكون بمستوى ما يحدث من تطورات وبالأخص على مستوى العلم والتقنية، وأن البشرية إن لم تستوعب هذه التطورات، فسيكون مصير الذين لم يستوعبوا ذلك من أفراد أو أحزاب أو منظمات مجتمع مدني، خارج التاريخ، وسيكون مرفوضاً من قبل الجميع.
وعلينا أن نعلم أن كل شيء في حالة تطور وكل شيء يتغير حتى الأفكار والأديولوجيات، والكثير من الأيدولوجيات انقرضت بسبب عدم مواكبتها للتطورات التي حدثت في العالم، كما فعلت الأحزاب الشيوعية وجمّدت أفكارها واعتبرت الماركسية- اللينينية أفكار مقدسة لا يجوز المساس بها، وانتابها الجمود الفكري والعقائدي، والتي كانت أحد الأسباب التي أدت إلى فشلها، علماً أن النظرية الماركسية ليست جامدة رغم الانتقادات التي توجه اليها.
وعلينا أن نعلم ايضا أن التمسك بالثوابت بشكل مطلق قد يثلمها عدا المقدس منها (كلام الله وسنة رسوله الكريم) فالعادات والتقاليد بالإمكان أن تتطور هي الأخرى مع الحفاظ على جوهرها المفيد، وعدم التمسك بها كمسلمات، فما هو صحيح وصالح في زمان ومكان قد يصبح غير صحيح وصالح في زمان ومكان آخر اكثر تطوراً وتقدماً.
وعليه فإن العادات والتقاليد والأعراف يجب أن تتغير حسب التطور الذي يحصل في المجتمع.
إن حركة المجتمعات السريعة بسبب التطور التكنولوجي أدى إلى تطور الكثير من المفاهيم الانسانية، الاقتصادية، والاجتماعية والسياسية ، وأثّر على الإنسان نفسه وأثّر على شكله، وطريقة أكله ونوع أكله ، ولبسه وطريقة حياته وتعامله وغير كل شيء في حياته، ويستمر هذا التغيير بمرور الزمن …
هكذا هي الحياة في حالة تطور مستمر وعلى الإنسانية أن تستوعب ذلك وتتفاعل مع هذه التغيرات، والذي لن يتغير سيكون خارج حركة الكون.
إن السكون والجمود، يعني الموت والاندثار، والحركة والتطور هي الحياة، فالتناقضات هي أساس التطور وهي خالقة التطور، فالحياة هي عبارة عن مجموعة من التناقضات الفعالة والتي تؤدي إلى الحركة والابداع والتقدم والتطور خدمة للإنسانية، وجميع التناقضات تمثل القوة الدافعة للتطور. أجمل ما في الحياة روح التطور والتغيير د، والعالم يتغير ومعه تتغير مجالات حياته في الاقتصاد والسياسة والتعليم والثقافة، وكل من يرفض التغيير مصيره التحجر والركون إلى الظل، فالعالم يتغير كل يوم وكل لحظة، فنحن نعيش في عالم يتبدل ولا يستقر على حال.
والسؤال هو هل كل الناس يتمكنوا من إدراك الحقيقة، وهم متساوون بأمتلاكهم الحواس الخمسة …؟
والجواب كلا … لأن الحواس الخمسة غير كافية للوصول إلى الحقيقة إلا من خلال العقل، العقل المنطقي والعلمي، ومن خلال الحواس الخمسة، وهو الذي يحدد الحقيقة كما نعيشها، وبالأخص العقل المرجح، فالعقول المتخلفة والغير مدركة إلى مايدور من حولها والمتمسكة بالعادات والتقاليد البالية، والتي تتأثر بالخرافات والقصص التي من نسج الخيال، والمتمسكة بالماضي كمسلّمات ثابتة دون الاستفادة من عبره والأخذ بما هو مفيد للواقع المعاش والعمل على تطويره … ستبقى هذه العقول المتحجرة، سبباً في إعاقة عملية التطور، وتجرّ المجتمع إلى الوراء بدلاً من دفعه إلى الأمام، واللحاق بعجلة التطور والتغيير الذي يحدث في العالم. وأن الدنيا تقوم على التطور والتغيير كما ذكرنا، ولكل زمان ومكان حدوداً للمعرفة، فعلينا أن ننظر على الأشياء لمعرفة الحقيقة، أي معرفة الواقع الذي نعيشه، وفق السقف المعرفي الذي وصلنا اليه، أما في الماضي فالناس أستعملوا أدوات معرفية في زمنهم وقدموا ما قدموه للإنسانية، ونحن اليوم لدينا أدوات معرفية معاصرة ونظم معرفية تختلف عما كان عليه في السابق، لذا توجب علينا أن نقرأ الحاضر بسقفنا المعرفي المتطور والمتغير، ونقرأه بعيوننا لا بعيون الماضي.
العالم يتغير وعلينا أن نتغير وأن لا نسمح لذوي العقول المتخلفة والمتحجرة أن تقودنا الى الوراء كون معظم الناس في حياتنا غير مستعدين لاستخدام قدرات عقولهم وقوة دماغهم للخلاص من الإشكاليات التي تحيط بهم من كل زاوية، وأنه يكفي لحظة واحدة لتغيير حياتك في حال تريد أن تغير عقليتك بنحو كامل وهو السبيل الوحيد لإنقاذك من مشاكلك التي تحيط بك، أي العمل على تغيير نمط تفكيرك وبما ينسجم مع التطور الحاصل في العالم.
إن الناس غير المستعدّة لاستخدام قدراتهم العقلية لكي نتخلص من حالة التخلف الذي نعيشه، هم الذين يقفون بالضد من العقول المدركة للواقع والمدركة للحقيقة
والتي تسعى إلى تحقيق التطور والتغيير وبما ينسجم والواقع المعاش عالميا ووطنيا.
إن هذه الجدلية بين التطور والتقدم وبين التخلف لا بد أن يأتي اليوم الذي يحسم به الصراع لصالح التقدم والتطور والتغيير وصولا الى الحداثة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى