متى تحدث الثورة

كثر الحديث عن الثورة ومفهومها وأسباب حدوثها ، ومقوماتها وأنواعها
، ووجدنا من الضروري تسليط الضوء على الثورة كمفهوم وأسباب حدوثها ومتى تحدث .. وصولا الى عمل مقارنة بالوضع الكارثي الذي يعيشه شعب العراق في ظل حكومات الاحتلال.
فالثورة مصطلح سياسي ، يمثل الخروج عن الوضع الراهن وتغييره نحو الأفضل ، والثورة أصبحت ظاهرة اجتماعية تحدث من اجل التغيير وانتقال السلطة من الطبقة الحاكمة الى طبقة الثوار ..
ومن وجهة نظرنا ان الثورة هي عملية التغيير الجذري للواقع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي للمجتمع ، كون العامل الاجتماعي والاقتصادي له الدور الأساس في دفع الناس الى القيام بالثورة وكذلك الدافع السياسي نتيجة ممارسة الظلم والاضطهاد والتهميش والاستبداد
هو الذي يجعل الشعوب تثور ضد الحاكم
الظالم المستبد ، فضلا عن العامل الثقافي الديني يلعب دورا هو الاخر في موضوع الثورة .. وعندما تجتمع جميع هذه العوامل وتتراكم كل الدوافع والاسباب ستؤدي الى قيام الثورة …
وعلى هذا الأساس فإن الثورة تحتاج الى فترة زمنية حتى تختمر هذه العوامل وتنضج ظروف الثورة .. فكثير من الثورات فشلت بسبب عدم نضوج ظروفها وعدم توفر عواملها الموضوعية.
الثورة هي بالأساس تعبير حقيقي عن التناقضات الموجودة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ، بل هي ذروة هذه التناقضات.
فالتناقض الموجود بين قوى الانتاج وعلاقات الانتاج التي لم تستوعب التطور الذي حدث على قوى الانتاج ، لذا يستوجب تغيير علاقات الانتاج القديمة بعلاقات انتاج جديدة تتمكن من استيعاب التطور الذي وقع على قوى الانتاج ، وهذه هي الثورة بعينها .. وإن هذه العملية لا تحدث تلقائيا وإنما من خلال توحيد القوى الوطنية التقدمية كافة التي تعمل على إنهاء النظام الاجتماعي القديم والمتخلف … وعلى هذا الأساس ، تعتبر وحدة الظروف الموضوعية والذاتية القانون الأساس لحدوث القوة ونجاحها.. فالثورة تعمل على هدم القديم وتبني الجديد ..
كما ان السيطرة الاستعمارية وما يرافقها من نهب واستغلال للشعوب المستعمرة ، تشكل مقدمات لقيام الثورات الوطنية ذات الطابع التحرري ضد الدول الاستعمارية لذلك سُميت ( بثورات التحرر الوطني )
ومن الأسباب الاخرى التي تؤدي الى قيام الثورة ، استهتار الحكام بشعوبهم ، واهمال مطاليبهم المشروعة ، واستخدام العنف والقوة والقمع للحفاظ على السلطة ، وعدم كفاءة الحكومة وكثرة عيوبها وهفواتها وفساد مسؤوليها .. تفضيل الحكومة لفئة او طبقة او طائفة على اخرى مما يعمق الخلافات الاجتماعية ، انتشار الفساد المالي والاداري والرشوة بين المسؤولين والجهاز الاداري ، ضعف اجهزة الرقابة وفساد القضاء وانعدام الشفافية في العمل ، وتغلغل الفساد الى الأجهزة الأمنية والشرطة والجيش ، وارتهان الحكومة للاجنبي ، وانتشار الفقر والجوع والمرض وكثرة البطالة ، وحكم الطائفة الواحدة ..
كل ذلك تمثل العوامل والاسباب التي تؤدي الى قيام الثورة ..
وللثورة مقومات تعتمد عليها في تحقيق مسارها وأهدافها ، ومن هذه المقومات ، ان يكون لديها قيادة وقائد يقودها ويوجهها نحو تحقيق اهدافها النهائية ، وهي تغيير السلطة الفاسدة ، وان هذه القيادة والقائد يجب ان يمتلكون القدرة على الحشد وتأليب الظمائر الساكنة حتى تصحوا من سباتها وتنتفض ومن ثم تثور ، ويأتي كل ذلك بعد ان يتشكل الوعي الجمعي الذي يصل الى مداه في اذهان جميع الناس …
والثورة تحتاج الى عقيدة واديولوجيا ، تحدد المباديء والاهداف المنشودة للثورة وتساعد على تحريض الجماهير على الثورة ..
فالعراق اليوم يعيش في ظروف قل مثيلها عبر التأريخ ، فهو محتل وتحكمه حكومات احتلال ، قاموا بتدميره وتبديد ثرواته وسرقة امواله ، ومارسوا ابشع انواع الاضطهاد والقتل والتهجير والتشريد والتغيير الديمغرافي ، واصبح الشعب العراقي يعيش في فقر مدقع لن يمر عليه ذلك عبر التاريخ كله ، وهو من أغنى بلدان العالم ، وان جميع الظروف الموضوعية التي سبق ذكرها متوفرة ، واكثر من ذلك بكثير ، ومع ذلك لم تحدث الثورة من اجل تحقيق عملية التغيير الجذرية للواقع المرير والفاسد .. لماذا …؟
فعند قيام الثورة في عام ٢٠١١ تم قمعها وبشكل مفرط من قبل سلطة الاحتلال ، واستمرت الثورة وبشكل سلمي ، واتسمت بالكر والفر ولم تتمكن من تحقيق التغيير المطلوب ، حتى اعادت نفسها في ثورة شباب العراق في تشرين الاول عام ٢٠١٩ ، واستخدمت سلطة الاحتلال نفس الأسلوب من اجل قمع الثورة ، وسقط عديد من الشهداء والجرحى وزج الكثير في السجون ..
ومازالت الثورة مستمرة رغم التضحيات الجسام ، ولكنها تحتاج الى فترة زمنية حتى تختمر جميع عواملها الموضوعية والذاتية وتنضج ظروفها ، وإن من أهم أسباب عدم اكتمال نضوجها وتحقيق اهدافها بشكل نهائي هي :

اولا : غياب القيادة الجماعية وغياب القائد ، الضرورية لقيادة الثورة وتوجيهها ، وإن وجدت هذه القيادة فإنها تعمل بالسر وهذا مما يؤثر على ادائها النضالي وفاعليتها لقيادة الثورة والجماهير ..

مقالات ذات صلة

ثانيا : غياب العقيدة والفكر ، وتحديد المباديء والاهداف المنشودة للثورة

ثالثا : العمى الديني والطائفي ، والإطاعة العمياء لرجال الدين والمراجع الدينية ، وتأثير ذلك على مسار الثورة وإعاقة تحقيق اهدافها.

رابعا : ان الوعي الجمعي للشعب العراقي ، رغم تشكله ، لكنه لم يأخذ أقصى مداه ، وعندما يأخذ مداه ويتكامل تحدث عملية التغيير ..

خامسا : استخدام أقصى أساليب القمع من قبل سلطة الاحتلال ، والمليشيات المسلحة والموالية الى ايران ضد المتظاهرين السلميين والشعب ..

سادسا : الموقف الدولي العالمي وحتى الامم المتحدة ، موقف سلبي بل مشبوه
اتجاه حقوق الشعب العراقي وحقه في تقرير مصيره ، وان هذا الموقف الداعم لحكومات الاحتلال ، اثر بشكل مباشر وغير مباشر على الثورة ومسارها.

سابعا : الموقف العربي الرسمي وجامعة الدول العربية ، موقف مشابه للموقف الدولي ، وهو موقف مشبوه وداعم للعملية السياسية الفاسدة والعميلة ، مما اثر هو الاخر على مسار ثورة الشعب العراقي ..

ثامنا : سيطرة ايران على مقدرات الشعب العراقي من خلال هيمنتها على الحكومة والبرلمان ومرافق الدولة الحساسة وكذلك على الاقتصاد العراقي ، وتمويلها للمليشيات الموالية الى ايران والتي تُمارس قتل وتشريد إفقار الشعب العراقي ، كل ذلك اثر على مسار الثورة وتأخير حدوثها.

تاسعا : استخدام كافة أساليب الكذب والتظليل والدجل والخرافات ، من خلال رجال الدين والمرجعيات ووسائل الاعلام مما اثر بشكل مباشر على غسل الادمغة وخاصة بالأوساط المتخلفة .. مما اثر على مسار الثورة. وغيرها من الأسباب التي تعيق مسار الثورة وتحقيقها لأهدافها ..
وعليه فعلى الشعب العراقي وطلائعه الثورية ان تستمر في الانتفاضة حتى تتكامل وتنضج عواملها لحين حدوث التغيير الجذري للواقع الفاسد ، وهذا يتطلب معالجة الأسباب التي أدت الى تأخر الثورة والتي ذكرناها سابقا .. فضلا عن توحيد القوى الوطنية التقدمية كافة في إطار موحد وان تعمل على إنهاء النظام السياسي برمته وقلعه من جذوره ، وبناء نظام سياسي وطني مدني علماني تعددي ديمقراطي يعمل من اجل اعادة بناء المجتمع وإقامة دولة مؤسسات تعمل من اجل خدمة المجتمع وتحقيق رفاهه .. وان تسعى هذه القوى الوطنية على توحيد الصفوف وزجها باتجاه تحقيق أهداف الثورة وان لا تترك محافظة واحدة تنتفض بمعزل عن بقية المحافظات ، فجميع المحافظات عليها مسؤولية تحرير العراق .. فضلا عن أهمية تشكيل جناح عسكري للثورة ( شأنه شأن كل الثورات في العالم ) مهمته حماية الثورة من اعدائها واستخدامها عند الضرورة القصوى لخدمة الثورة والثوار
وتحقيق الأهداف المبتغاة .. بالاضافة الى استخدام جميع الوسائل المتاحة ، سياسية واعلامية وفكرية واقتصادية واجتماعية ، لخدمة مسيرة الثورة وتعزيز زخمها ، والعمل باستمرارعلى زج كل طاقات الثورة من اجل بلورة الوعي لدى الشعب العراقي ، من ان خلاصه من الواقع المرير والفاسد الذي يعيشه ، هو اصطفافه مع الثوار من اجل تحقيق التغيير الجذري لهذا الواقع وتحرير العراق من جميع قوى الاحتلال.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى