الأمن القومي العربي والتوازنات الإقليمية والدولية

ظلت الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة والتي تجري كل أربع سنوات، ظلت تلعب أكبر الأدوار في تحديد مسارات السياسة الدولية على صعيد قاري، بحيث تتغير مواقف الدول تبعاً لنتائج تلك الانتخابات، وكما أن الداخل الأمريكي منقسم إلى اتجاهين، فإنّ دول العالم تتابع نتائج تلك الانتخابات وتعيد صياغة سياساتها تبعا لتأثير الإدارة الأمريكية الجديدة في اتجاهات عدة، وفيما إذا كانت ستُحدث تغييرات على سياسات الإدارة السابقة أو تحافظ عليها، بعض تلك الدول تمتلك هامشا واسعا من المرونة في التعامل مع نتائج تلك الانتخابات، لا سيما الدول التي تمتلك قوة اقتصادية وعسكرية وتستند على عدد سكاني كبير وعمق استراتيجي، ولكن بعض الدول المحدودة الموارد الاقتصادية أو العسكرية والسكانية وخاصة إذا كانت ذات مساحة كبيرة، تعاني من اختناقات جدّية في تأمين متطلباتها الأمنية، وهذا الصنف من الدول يجد في وصول رئيس أمريكي جديد عبئاً سياسياً محتملاً، يحتاج إلى وقت مناسب لإعادة ترتيب الملفات والأولويات وتكييف سياستها مع الرئيس الأمريكي الجديد، أما إذا كانت هذه الدول محاطة بأخطار داخلية وخارجية تهدد أمنها الوطني، فإنها من أكثر الأطراف تأثرا سلباً أو إيجاباً بتغير السياسة الأمريكية في التعامل مع ملفات العلاقات الدولية، وربما تقع دول الخليج العربي في مقدمة هذا الطراز من الدول لتضافر جملة من العوامل الضاغطة عليها، في مقدمتها الخطر الإيراني وما يحمله من نوايا توسعية تحت لافتة تصدير الثورة الإسلامية، خاصة وأن دول الخليج العربي لم تفعّل مفهوم الأمن الذاتي ولم تعتمد على نفسها في تأمين أمنها الوطني والقومي بل اعتمدت على وعود أمريكية غامضة في توفير مظلة الحماية لها.
صحيح إن السياسة الأمريكية ثابتة الأسس وتسير على سكة واضحة المسار والمعالم، ودور الرئيس سواء كان جمهوريا أو ديمقراطيا فيها هو مجرد ماسترو لبلورة الرؤى الوطنية أو تنسيقها ضمن اجتهاد محكوم بنظام سياسي صارم تضبط إيقاعه مؤسسات دستورية متعددة، كمجلس الأمن القومي والكونغرس بغرفتيه النواب والشيوخ، وكذلك وزارة الدفاع ووزارة الخارجية ووكالة المخابرات المركزية، واللوبيات المتعددة في الولايات المتحدة، ومراكز الدراسات الاستراتيجية، وحتى الجامعات الأمريكية التي تبدو في إطارها العام كمؤسسات أكاديمية، هذه الجهات تفعل فعلها في بلورة الموقف أو الاختيارات التي تعرضها على الرئيس الذي سيكون له الرأي الأخير فيها، ولكن الصحيح أيضا أننا لا يمكن أن نفترض أن الرئيس القادم مجرد صدى لصوت من كان قبله يشغل هذا المنصب، حتى إذا جاء من حزب الرئيس المنتهية ولايته فلا يمكن أن يستنسخ مسيرة من سبقه، بل يأخذ قرارته تبعاً لمدّخراته وخزينه السياسي وقدراته القيادية الخاصة.
منطقتنا التي تعيش انقسامات في توجهاتها السياسية بسبب تضارب المصالح ومشاكل الحدود والثروات السطحية أو في باطن الأرض أو بسبب التحالفات الخارجية لدول المنطقة أو بسبب عُقد التاريخ والجغرافيا، وصلت في كثير الأحيان إلى حالة نزاع خارج غرف الحوار إلى نزاع مسلح، ربما يعود جزء من ذلك إلى فشل المفاوضات في التوصل إلى حلول مُرضية للطرفين، منطقتنا هذه هي أكثر المناطق تأثرا بالتبدلات السياسية الأمريكية، ويلاحظ المراقبون أن هذه الانقسامات ليست قائمة على أساس حسابات استراتيجية بعيدة المدى تتعلق بالأمن القومي، بل متغيرات تتبدل تبعاً لحسابات آنية ضيقة الأفق وخاصة مع تبدل الحكام أو التغييرات التي تحصل في نظم الحكم لأي من الأسباب المعروفة، فصارت المواقف تتبدل مثل المواسم الأربعة على وفق اجتهاد الحكام وأهوائهم وأمزجتهم، وليس على أساس حسابات تستند على استراتيجية بعيدة المدى كما هو حاصل في الدول الكبرى.
في هذه المنطقة تتصادم أو تتعايش أربع قوى لا يمكن لأي منها إزاحة الأخرى، وهي تركيا وإيران وإسرائيل وأخيرا العرب الذين يعانون من انقسامات فيما بينهم على نحو لا يمكن مقارنته حتى مع تصادمهم مع سياسات الجهات الثلاث الأخرى، لكننا يجب أن نعترف بأن الوجود الإسرائيلي في فلسطين منذ عام 1948، قد قلب جدول الأوليات رأسا على عقب، وأوجد تحالفات قلقة وسريعة التقلب في المنطقة، أي أن إسرائيل لم تكن طرفا مباشرا في أزمات المنطقة قبل القرن العشرين، في منطقتنا التي تعاقبت على حكمها ثلاث إمبراطوريات، الفارسية الساسانية، ثم العربية الإسلامية، وأخيرا العثمانية التي حكمت باسم الإسلام ايضا، ولكن عُقدّ تاريخ المنطقة نشأت بين العرب والفرس أكثر مما حصل مع الدولة العثمانية، على شكل صراع حضاري حاولت فيه فارس إلغاء العرب من الخارطة السكانية في المنطقة على الرغم من أن العرب موجودون في الجزيرة العربية والعراق والشام، وأن العرب بعد انتصار القادسية وإزالة الإمبراطورية الفارسية من الخارطة السياسية والعسكرية في المنطقة تعاملوا بمنتهى التسامح مع الأمم التي دخلت في الإسلام بمن فيهم الفرس، وربما كان هذا من أفدح الأخطاء التي ارتكبها العرب طيلة تاريخهم والذي سيبقون يدفعون ثمنه إلى الأبد، هذا الخطأ الذي ما زال جاثما على صدورهم منذ عام 636م وحتى اليوم، ثم قامت الإمبراطورية العثمانية عام 1299م ولتمر بمراحل الشباب والكهولة والشيخوخة ثم النهاية الحتمية وفقا لسنن التاريخ، ومن يعرف حقائق تاريخ العلاقة بين الدولة العثمانية والدولة الصفوية التي قامت عام 1501م سيعرف أن الصفويين كانوا أكثر تأثيرا تدميريا على الدولة العثمانية من خلال التحالفات مع الدول المسيحية على حساب الدولة العثمانية، على الرغم من أن شهادة وفاة الدولة العثمانية تم تسجيلها من قبل تحالف غربي بقيادة بريطانيا وحلفائها من الدول الأوربية، ونحن نعرف كما يعرف الأتراك والفرس أن التحالفات المؤقتة التي بينهما تبقى محكومة بمصالح آنية لا بد أن تصل إلى نهايتها الحتمية، في حال وجود طرف عربي قادر على إدارة أزمة العلاقات بين الطرفين من دون ربطها بملفات داخلية، ومن دون محاولة فرض الإرادات المتصادمة على أي من الطرفين، واحترام الخيارات الوطنية لكل طرف من الأطراف وعدم التدخل في شؤونه الداخلية، فليس مهماً من يحكم في تركيا كتنظيم أو كشخص، المهم الوصول إلى تفاهم استراتيجي يأخذ بنظر الاعتبار أن علاقات تركيا مع العرب أمتن من علاقاتها مع إيران إذا تخلت بعض الأطراف التركية المتطرفة عن أحلام تاريخية باطلة تسعى لتغيير الجغرافية السياسية، فإيران وتركيا لهما مشروعان متصادمان في العقيدة وفي المصالح الاستراتيجية وفي المجال الحيوي للأمن القومي لكل منها، فقد نشأت الدولة العثمانية عام 1299م وسقطت عام 1922م ولم يسجل عليها أنها حاولت أن تتدخل في عقائد مواطني الأقاليم التي تحتلها، ويعد العراق أوضح دليل على هذا النوع من التسامح، يمكن أن تبذل جهود لفرض سياسة التتريك على غير الأتراك، وهذا أمر محفوف بمخاطر الفشل فقد واجه إخفاقا كبيرا في الوطن العربي لعاملين، الأول اعتزاز العرب بأصلهم والثاني أنهم يفاخرون به الأمم الأخرى بأن القران نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بلغتهم، أما في الأقاليم غير الإسلامية فالتاريخ لم يسجل أن العثمانيين قد مارسوا أي اضطهاد ديني أو عرقي على سكان تلك الأقاليم، وما يصح على الدولة العثمانية يصح على المملكة العربية السعودية التي لم تحاول أن تغير من القناعة المذهبية لسكان المنطقة الشرقية في المملكة، وكذلك كل الدول ذات الطابع السني أو الموصوفة بهذا الوصف من جانب الشيعة، وعلى الضد من ذلك فالتاريخ يسجل على الدولة الصفوية خلال عامها الأول أنها قتلت مليون سني في بلاد فارس حتى تمكّن إسماعيل الصفوي من ترسخ قواعد حكم دولته، ولسنا بحاجة إلى العودة إلى دروس الماضي لتأكيد مصداقية ما نقول، فتجربة سيطرة إيران على الحكم في العراق وسوريا ولبنان واليمن تؤكد النهج العنيف في فرض التشيّع على سكان هذه الأقطار العربية، ليس هذا فقط بل طالما صرح أكثر من معمم حاصل على لقب آية الله في إيران أو في العراق أو لبنان أو أدواتهم السياسية في سوريا واليمن بوقاحة لم تسمع بها أذن منذ عهد القرامطة من أن عجلة تصدير الثورة دارت بقوة ولن تتوقف حتى إسقاط الحكم الوهابي في السعودية، وإذا عرفنا أن القناعة الدينية غلابة على ما سواها من القناعات السياسية وطنياً وقومياً، فسوف نعي جيدا أسباب تحشيد إيران لعشرات الألوف من المعممين في كل بيئة تحل بها مليشياتها، فهي لا تمارس احتلالا عسكريا اقتصاديا سياسيا فقط، بل ترسخّه باحتلال مذهبي يفرض دينها السائد بقوة المال والسلاح، حيث تأتي إلى البيئات الفقيرة وتوفر لها الأموال مقابل تجنيدها عسكريا في معاركها الخاصة كي لا تبدو قوة احتلال غاشمة فتنعكس كل السلبيات من تعسفها بل تقع على العناصر التي تم تجنيدها من قبلها في المجتمعات التي تغلغلت فيها بالقوة الناعمة ثم تنتقل إلى البطش في المراحل اللاحقة، وتوفر لتلك البيئات في المرحلة الأولى فقط الخدمات الطبية ولكن الخطورة تكمن في فتح مدارس لغسل عقول الأطفال والصبية الصغار حتى تجعل منهم أدواتها في المجتمع الغريب الذي دخلته أخيرا، وكل هذا يُعدّ الخطوة الأولى لاستثمار سياسي اقتصادي ناجح لاحقاً، وهي في كل هذا تنتفع من خطوات إسماعيل الصفوي في فرض التشيع، هنا نجد أن هناك تلازماً بين المشروع الإمبراطوري الفارسي وبين خطط نشر التشيّع، فهذا الترابط يؤمّن لإيران على المدى البعيد صيانة أمنها القومي عن طريق إبعاد أية مواجهة داخل الأرض الإيرانية، لاسيما وأن الدرس الرئيس الذي استخلصته إيران من حرب الثماني سنوات مع العراق، هو أنها لن تخوض في المستقبل حرباً مباشرة مع أي طرف خارجي، ولهذا اتجهت لإقامة الحركات المسلحة لتنوب عنها في معاركها الخاصة وكي تبعد عن نفسها أية مسؤولية قانونية دولية لما يُرتكب من جرائم إرهابية.
فهل سبق للدولة العثمانية أن فعلت أي شيء من هذا طيلة حكمها لعدة قرون؟ وهل أعلنت تركيا أردوغان ذلك أو أي من المتهمين بأنه يسعى لإعادة أمجاد الدولة العثمانية الغابرة؟
تركيا الآن قوة إقليمية تستطيع من خلال التوازن في علاقات العرب بها وخاصة مصر والمملكة العربية السعودية، وإعادتها النظر هي في علاقاتها مع إيران على أسس جديدة تأخذ بدروس الماضي والحاضر والمستقبل، أن تتحول إلى قوة دولية لها وزنها في العلاقات الدولية وليس في الشرق الأوسط وغربي آسيا، وعلى العرب تفهّم دوافع تركيا في وقوفها إلى جانب أذربيجان في حرب قرة باغ، وعدم الانسياق بعمى سياسي ضد أنقرة بسبب مناكفات سياسية حمقاء، فقوة تركيا يمكن أن تضاف إلى رصيد العرب في هذا الظرف الناشئ عن خسارة رهان بعض الدول العربية لفرصة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، ومجيء رئيس يحمل من تراث أسوأ رئيس أمريكي في مواقفه من العرب وهو باراك حسين أوباما وميوله العاطفية نحو إيران.
فهل من الحكمة أن يّشعل العرب أكثر من جبهة ضدهم وهم في أضعف حالة يمرون بها منذ خروج العراق من معادلة الأمن القومي العربي ومن كونه البوابة الشرقية التي كانت تحمي الوطن العربي من الرياح الصفراء القادمة من إيران، وهل من مصلحتهم أن يعلنوا العداء لتركيا في حين أنهم قادرون على تحييدها بل وكسبها كصديق وحليف استراتيجي، بدلا من استيلاد ملفات سلبية كثيرٌ منها مبني على وهم مقصود والقليل منها صحيح بدرجة أو بأخرى؟ وهل صحيح أنهم في الوقت الذي يريدون التصدي للمشروع الإيراني يفتحون لهم جبهة مع بلد قوي باتت روسيا والاتحاد الأوربي وحتى الولايات المتحدة تتجنب التصادم معه؟
من حيث المبدأ تحاول جميع الدول إدارة أزماتها بطرق دبلوماسية حاذقة، تضمن لنفسها فيها تحقيق عدة أهداف حتى في حالة عدم القدرة على التوصل إلى نتائج سريعة في التفاوض:
1 – عدم غلق باب التفاوض مهما طال الزمن بحيث يكون استمرار التفاوض هدفا قائما بحد ذاته من أجل تحسين الشروط وكسب المزيد من الدول الداعمة وتَحوَل ظروف الطرف الآخر بما يخدم المصلحة الخاصة.
2 – عدم إثارة نزاعات جديدة مع دول أخرى منعاً لأي حالة من حالات الاستقطاب الإقليمي والدولي، فالدول الناجحة في دبلوماسيتها لتخفيف حدة التوتر في علاقاتها مع الدول الأخرى وتحويل الدول المعادية إلى دول محايدة وتقوية علاقات الصداقة مع الدول الصديقة عن طريق اتفاقات اقتصادية وتجارية والتركيز على مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية سواء بدعم الحركات السياسية المعارضة، أو بالتدخل العسكري المباشر، واحترام الخيارات الوطنية واعتبار ذلك شأناً محلياً ولكل دولة خصوصياتها.
فهل يقتنص العرب الفرصة التاريخية فيصونوا نظم حكمهم القائمة ويضعوا حدا لاستخفاف الآخرين بهم ويصونوا أمنهم القومي من دون تنازلات سياسية ماسة بالكرامة أو بالسيادة الوطنية، ومن دون أن يضطروا لدفع أتاوات للدول الكبرى كي تحفظ لهم أمنهم الوطني، في ظرف يشهد أكبر تبدلات في السياسة الدولية، ويجب علينا ألا نعتبر أن ما يرسمه لنا الآخرون قدّر مقدور على أمتنا ويجب أن تخضع له صاغرة.

مقالات ذات صلة

د. نزار السامرائي

عميد الاسرى العراقيين

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى