الانتخابات الألمانية والعراقية .. مقارنة الأسلوب والنتائج

لكي نتعرف على الانتخابات الألمانية والعراقية والتي جرت في نفس الفترة في شهر أكتوبر في كلا البلدين علينا ان نتعرف في البداية على تاريخ الحركات السياسية والأحزاب التي شاركت في انتخابات البلدين علما بان العامل المشترك بين البلدين ان أمريكا قد هزمت جيشي البلدين في سلسلة حروب طاحنة ووضعت النظام السياسي في الدولتين وساهمت في بناء مؤسساتهما وفق تصوراتها ومصالحها.
شهد تأسيس الدولة العراقية الحديثة تشكيل أحزاب سياسية في الفترة الملكية ساهمت ومن خلال البرلمان بوضع سياسات داخلية وخارجية وشهدت فترة حكم المغفور له الملك المؤسس فيصل الأول الفترة الذهبية للأحزاب السياسية والبرلمان العراقي فيما شهدت فترة حكم المغفور له الملك غازي اضطرابات عديدة بسبب الحرب العالمية الثانية والصراع الدولي الذي كان يسود في تلك الفترة واما فترة حكم الوصي عبد الاله فقد شهدت كذلك اضطرابات عديدة بسبب الحرب العالمية الثانية ونتائجها فيما بعد وخصوصا تأسيس دولة إسرائيل وتهجير اليهود العراقيين وانقلاب رشيد علاي الكيلاني واما فترة حكم المغفور له الملك فيصل الثاني فقد شهدت فترة برلمانية ممتازة حيث تم تأسيس مجلس الاعمار والاستفادة من الأموال التي حصل عليها العراق بناء على اتفاقية مناصفة الأرباح مع شركات البترول الأجنبية العاملة في العراق وتم تأسيس مجلس الاعمار سنة 1950 ومازالت مشاريعه قائمة لغاية اليوم بل وان معظم المشاريع التي تم تنفيذها في العراق منذ الفترة الملكية لغاية سنة 2003 من تخطيط مجلس الاعمار. ونتيجة للصراع الذي بدا بين المعسكرين الغربي والشرقي وظهور تيارات قومية وشيوعية في الشرق الأوسط وبسبب ضعف شخصية الأمير عبد الاله رحمه الله فقد حدث انقلاب سنة 1958 وتأسيس الجمهورية العراقية التي الغت الأحزاب التي كانت تقود الدولة خلال 38 عاما الماضية والغت البرلمان وظهرت الصراعات بين الشيوعيين والبعثيين والقوميين في سلسلة انقلابات وحروب داخلية وخارجية وحصارات أوصلت العراق الى فترة الغزو الأمريكي الذي تم تبريره بوجود أسلحة دمار شاكل وقد ثبت فيما بعد ان تلك الادعاءات كاذبة وان الغزو تم بدون موافقة الأمم المتحدة التي تم استغلالها من قبل أمريكا في فرض حصار اقتصادي لمدة اثنى عشر عاما دمر الاقتصاد ونشر المجاعة بين العراقيين وتسبب في موت مليون عراقي وقد جاء الامريكان بمجموعات متنوعة من المرتزقة ادعى انها معارضة للنظام السياسي وكتب لهم دستورا قسم العراق طائفيا وقوميا وذلك من اجل السيطرة عليهم , اما في المانيا فان للأحزاب الألمانية تاريخ عريق منذ القرن الثامن عشر وبعد الاستفادة من تجربة الدكتاتورية في فترة رودولف هتلر الذي الغى الأحزاب والبرلمان وأعطى كل الصلاحيات لحزبه لحكم المانيا, فقد قام الالمان بكتابة دستور يعطي الشعب كامل الحرية في حكم نفسه وتم تشكيل ولايات تحكمها حكومات محلية يتم انتخابها من قبل الشعب مباشرة ولديها برلمان لكل ولاية وفي برلين حيث البرلمان الألماني فان هناك ممثلين عن الولايات الألمانية الستة عشر ويتم انتخاب مستشار للوزراء وليس رئيس وزراء وهو من الحزب الذي يفوز بالأغلبية واما رئيس الدولة فليس له أي صلاحيات سوى انه يمثل المانيا كرجل علاقات عامة فقط ويتم انتخاب رئيس البرلمان الذي سينتخب من ضمن الحزب الذي فاز بالأغلبية.
لماذا قامت أمريكا ببناء هذا النظام البرلماني الصارم والواضح في المانيا وبنت ذلك النظام الطائفي المتهرئ في العراق؟ لقد خدمت الحرب الباردة المانيا في فترة إعادة تأسيس المانيا ما بعد الحرب العالمية الثانية فبعد ان طالبت بريطانيا بان تكون المانيا دولة زراعية بحته وطالبت فرنسا بمنع المانيا من انتاج أي معدات ومكائن اتفق جميع الحلفاء الذين يحتلون المانيا بضرورة تقوية اقتصاد المانيا وجعلها دولة صناعية من اجل مواجهة المعسكر الشيوعي السوفييتي من جانب وألمانيا الديمقراطية ذات النظام الشيوعي الذي خلقه السوفييت من جانب اخر وساهمت حصة المانيا من خطة مارشال والتي كانت مليار دولار فقط وخلال عشر سنوات من خلق المعجزة الاقتصادية الألمانية .

برامج الأحزاب الألمانية والعراقية الانتخابية
لقد دخلت الأحزاب الألمانية ببرامج متنوعة حسب سياسات كل منها وقد تركزت برامج البرامج الانتخابية للأحزاب الثلاثة الفائزة بموضوعات المناخ والطاقة والصناعة ورفع المستوى المادي للمواطن وقد بدأ مفاوضاتها بعد الفوز والاتفاق على اليات تطبيقها والتوقيتات الزمنية فمثلا : تم الاتفاق على تحويل كافة الصناعات الألمانية من الوقود الاحفوري ( البترول والفحم والغاز ) الى الطاقة المتجددة وهذا اخطر واكبر قرار يتخذ منذ 100 عام في أوروبا والدول الصناعية في العالم , والبرنامج الثاني هو رفع الحد الأدنى لمستوى الأجور من تسعة ونصف يورو الى اثنى عشر يورو للساعة وهذا سوف يحدث قفزة هائلة في المستوى المعاشي للمواطن الألماني , واليوم صدر قرار من الحكومة الحالية بزيادة رواتب كافة المتقاعدين في المانيا بنسبة خمسة بالمئة لكي يتماشى مع بقية الرواتب والأجور التي سترتفع خلال الأشهر القادمة , وقد ظهرت خلافات بين الأحزاب الفائزة فمثلا حزب الخضر يريد تخصيصات مالية بمستويات عالية من اجل الحفاظ على المناخ والبيئة والحزب الاشتراكي يريد رفع مستوى الاستثمارات من جانب والتشديد على سداد الديون الألمانية الخارجية والداخلية والتي يعتقد الحزب ان الحكومة السابقة كانت متساهلة جدا في تحصيل الديون وستؤدي سياسة التساهل تلك الى تأخير تنفيذ مشاريع كثيرة بسبب بقاء تلك الأموال لدى الدول الخارجية وخصوصا الاوروبية وحرمان الاقتصاد الألماني منها، وسوف يتم الاتفاق على برامج الأحزاب الثلاثة وتوقيتات واليات تنفيذها وبعد ذلك سيتم تشكيل الحكومة.
ماذا عن البرامج الانتخابية للأحزاب المشاركة في الانتخابات العراقية؟ في الوقت الذي كان عدد الأحزاب الألمانية التي شاركت في الانتخابات 47 حزبا ومن يصل الى البرلمان يجب عليه ان يحصل على 5% من الأصوات فان عدد الأحزاب العراقية التي شاركت في الانتخابات والمسجلة رسميا تجاوز 230 حزبا لم يعلن أي منها برنامج انتخابي وكانت برامجهم مضحكة للغاية فمثلا قيام مقتدى الصدر بنشر فيديو وهو يغسل مدرسة ابتدائية برشاش من الماء ويغسل حتى اسلاك الكهرباء وظهر مرشح اخر وهو يقيم ولائم في خيم كبيرة وبعضهم ذهب الى ابعد من ذلك حيث قام بتوزيع مواد غذائية عبارة عن دجاجة واحدة وكيلو رز وكيلو سكر , هذه المقارنة يجب ان يعرفها الشعب العراقي لكي يفهم أي عملية سياسية تحكمه منذ ثمانية عشر عاما لغاية الان , علما بان هناك الكثير من الأحزاب والمستقلين قاطعوا الانتخابات لكن هناك فوزا ساحقا للتيار الصدري مثلا والسر في ذلك الفوز ان التيار الصدري قام بسياسة جمع الولاءات منذ 2003 لغاية الان عن طريق توظيف اتباعه في الوظائف الحكومية وعند أي انتخابات يصدر لهم الأوامر بانتخاب مرشحي التيار وهذه لعبة ذكية من جانب لكنها مكشوفة من جانب اخر. ان الأحزاب الدينية التي حكمت العراق منذ الغزو الأمريكي لم تقوم بتنفيذ أي خدمة ولا مجال هنا لتذكير القارئ العزيز لكني أتساءل هل هناك دولة على الكرة الأرضية اليوم ليس لديها تلفونات أرضية مثل العراق؟ وهل هناك دولة ليس لديها عملة معدنية؟ وهل هناك دولة غير العراق تحرق مليارات الاطنان من الغاز وتستورد الغاز مثل العراق الذي يستورد الغاز من إيران؟
مفارقات كثيرة مضحكة حدثت في الانتخابات العراقية وبعدها فالحشد الشعبي ليس حزبا سياسيا ولم يشارك في الانتخابات لكنه تظاهر في الشوارع وهجم على مقر الحكومة في المنطقة الخضراء واتهم الاخرين بالتزوير لأنه لم يفوز والذي حصل فيما بعد ان المناطق التي انتخبت مقتدى الصدر مثلا في محافظة ديالى تم الانتقام منها وقتل المئات وتشريد قرى بأكملها في حين ان الأحزاب الفائزة في الانتخابات الألمانية كانت سعيدة لان الحزب الديمقراطي المسيحي وهو حزب المستشارة ميركل أصبح في المعارضة وهو حزب عريق سوف يساعد الحكومة والأحزاب الفائزة في الانتخابات خلال مسيرة السنوات الأربعة القادمة.
خلاصة المقارنة
ما الذي يجبر أمريكا على انقاذ العراق من إيران وتأسيس دولة في العراق على غرار ما قامت به في المانيا بعد الحرب العالمية الثانية؟ هل ان الظروف التي خدمت المانيا بانها أصبحت راس الحربة في الحرب الباردة بين الغرب والسوفييت متوفر للعراق الان؟ هل الصراع العربي الإيراني سيكون السبب والدافع لأمريكا لإخراج إيران من العراق وتأسيس نظام سياسي ديمقراطي حقيقي يبعد الشر والمطامع الإيرانية عن العرب وعن إسرائيل في نفس الوقت؟ يجب على العراقيين التفكير في ذلك وفي الطرق والوسائل التي ستجبر أمريكا على انقاذ العراق والا سيبقى العراق عالقا في مستنقع هذا النظام الطائفي الفاسد الذي لم يقوم بتنفيذ أي مشروع خدمي في العراق طوال ثمانية عشر عاما , صحيح ان ثورة تشرين هزت النظام الطائفي لكن العصابات الحاكمة اخترقت الثورة ومزقتها واغتالت معظم قياداتها لذلك يتوجب على الشعب العراقي تنظيم نفسه في أحزاب وتنظيمات سرية قوية تقارع النظام الحالي بالوسائل السلمية وتجبر أمريكا على تقديم المساعدة للعراقيين لان أمريكا لا تتعامل الا مع القوي الذي يسيطر على الأرض

مقالات ذات صلة

ادناه فيديو لمقابلتي الأسبوع الماضي حول نفس الموضوع

بسام شكري

باحث وكاتب عراقي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى