الجدلية بين الجوع والثورة

خير من عبر عن العلاقة الجدلية بين الجوع والثورة هو سيدنا الامام علي ( رضي الله عنه وكرم وجهه ) حين قال ( عجيب من لايجد قوت يومه لا يخرج شاهرا سيفه ) ..
فالفقر الذي يؤدي الى الجوع والحرمان هو ذلك الانسان الذي لايجد قوت يومه ، وعندئذ يتعجب سيدنا علي ( رض) ، أن لايخرج ويثور على الجوع والفساد والحرمان وعلى الذين حرموه من لقمة العيش ..

عندما يحرم الانسان من حاجاته الضرورية ، سيسبب له القلق والتوتر ، ومن ثم يؤدي الى استخدام كل الوسائل المتاحة ، منها العنف ومن ثم الثورة.
والفقر هو الحالة الاجتماعية ، حيث لايتوفر للأفراد فيها أدنى مستويات المعيشة المتوقعة والشائعة في المكان الذي يعيشون فيه للبقاء على قيد الحياة
والذي يحدد مستوى الفقر هو الدخل أو الاستهلاك.

مقالات ذات صلة

إن مفهوم الفقر بشكل عام ، هو عدم مقدرة الفرد على توفير الدخل اللازم لتلبية الحاجات الأساس لحياته ، والمتمثلة بالغذاء والمأوى والملبس والصحة والتعليم وغيرها من ضرورات الحياة التي تمكنه من اداء عمله بصفة صحيحة.
عندما يعجز الانسان من الحصول على الدخل الكافي لسد حاجاته الأساس ، فسيعاني من الجوع والتخلف والقنوط والعودة الى الغيبيات .. والحكام يمارسون سياسة تجويع الشعوب ، ويتعمدون تغييب عقول الفقراء من خلال استخدام الدين أو المذهب من أجل تخدير عقول الفقراء ، ويستخدمون العبارات التي تؤثر بهم على سبيل المثال ( ان كل شيء مكتوب من الله ، الإيمان بالقضاء والقدر. وغيرها من عبارات التخدير ) ، وكذلك ان الجوع سيلهي صاحبه للبحث عن قوت عيشه وينسى مسألة التمرد على الواقع الفاسد ..
إذن الفقر والجوع والحرمان لا يكفيان لحدوث الثورة وإنما وعي الفقر ووعي الجوع ، هو الذي يقود الى الثورة .. فعندما تعي الشعوب أن سبب فقرها وجوعها هو وجود طبقة مستحوذة على المال والسلطة وعلى الاعلام .. وإن هذه الطبقة تزيد غنا على حساب الطبقة الفقيرة والتي تزيد فقرا يوم بعد يوم ، فعندما يدرك الفقراء كل ذلك سيتشكل الوعي الكافي عند الشعوب الفقيرة والمغلوبة على امرها لتخرج شاهرة سيوفها ضد الطغاة والمحتكرين والفاسدين ..

إن جميع الثورات التي حدثت عبر التاريخ ، ومنذ ثورة أسبارتاكوس والى يومنا هذا ، كان للفقراء الدور الأساس فيها ، وان جميع الثورات العظيمة قامت من اجل رغيف الخبز ..

فالربيع العربي بدايته ( قبل سرقته ) ، يمثل بحق ثورة الشعب العربي ثورة فقرائه ، ثورة ضد الاستغلال والتهميش والظلم والفساد ، ثورة بسبب الصراع الطبقي الذي تعيشه الامة العربية.
لقد تم تكريس واقع الفقر والجوع في مجتمعاتنا العربية ، حيث يعاني (٤٠) مليون عربي من الفقر المدقع ونقص في التغذية ، فيما يعيش اكثر من (١٠٠) مليون عربي تحت خط الفقر ، وهناك اكثر
من (٦٠) مليون عربي لا يجيدون القراءة والكتابة.
في السنوات الاخيرة مثل اللاجئون العرب
(٧٥) بالمئة من اللاجئين عالميا ، كما تم تشريد بنحو (١٤) مليون عربي وقتل وجرح (٦) مليون عربي في العراق وسوريا

في العراق ، ورغم ثرواته النفطية وغير النفطية الهائلة ، إلا ان الشعب يعاني من الجوع وعدم توفر فرص العمل ، وصعوبة الحصول على الدخل المناسب للحياة في حد الكفاف ، بل يعيشون الفقر المدقع ،
أي عند خط الفقر ، والذي هو المقياس المعياري لدخل الاسرة المناسب ، وحسب التقديرات الأولية فإن خط الفقر في العراق يتراوح بين (٣-٥) دولار يوميا. فضلا عن ذلك كله فإن العراق يتربع على راس دول العالم في الفساد المالي والاداري ، حيث تم تبديد وسرقة اكثر من ترليون دولار ..
وعليه ارتفعت نسبة الفقر في العراق الى (٤٢) بالمئة .. ومن التوقع أن تزيد هذه النسبة بسبب انخفاض أسعار النفط ، وبالنحو الذي سيؤثر على ايرادات الموازنة العامة للدولة ، ويؤدي الى عجز الحكومة من دفع الرواتب ، مما يزيد من الفقر بالعراق ، وسيعاني الشعب من الجوع والحرمان ، وسيزداد غضب الشعب ويزيد من وعيه ، لوجود علاقة طردية بين الفقر والجوع والغضب الشعبي…

إن ثورة الفقراء والجياع والحرمان والاضطهاد ، قادمة لا محال ، في ظل استفحال الفساد والتهميش وتغول الصراع الطبقي ، فمنطقة الشرق الأوسط وبالأخص الامة العربية ، تقف برمتها حاليا على حافة ثورات الجوع والقهر دون استثناء ، حيث مارست الحكومات الإمعان في إفقار ، شعوبها ظنا منها ، ترويضها حتى يسهل قيادتها وإخضاعها لسيطرتهم ،وفعلت ذلك من خلال رفع الدعم عن السلع الاساسية ، وفرض الضرائب على الكثير من السلع والخدمات الضرورية ، في محاولة لسد العجز في موازناتها ، وتسديد اقساط الدين العام وفوائده ، بتوجيه من صندوق النقد الدولي المدمر الأكبر لبلدان العالم الثالث.

فعندما يصل الانسان ، الى هذا الحد من الجوع والعوز والحرمان والفاقة ، بالتأكيد سيحرك لديه الكثير من المشاعر الانسانية ، وأكثرها أهمية هي المساس بكرامته وأنسانيته وبالتالي ستؤثر بشكل مباشر على وعيه وإدراكه ، وسوف لن يبقى أمامه سوى الثورة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى