الحروب واتفاقيات الحدود العراقية الإيرانية وأثرها في العلاقات بين البلدين

الجزء الرابع

حكاية المعاهدات الأولى في التاريخ

مع الوقت، ومع بروز كيانات الدول، وأخذها حيّزا جغرافياً معلوماً، وتطور تنظيماتها ونظمها السياسية، وتوسع واجباتها وتنوع مواردها، وتزايد حالات الاحتكاك مع الدول الأخرى وخاصة المجاورة، ومع تطور تبادلاتها التجارية الخارجية، مع سائر الدول الأخرى، وبروز حالة التنافس على الثروات الطبيعية السطحية مثل الأراضي الزراعية والأنهار والمراعي، والباطنية كالمناجم، بدأ تفكيرها يتجه نحو ترسيم الحدود فيما بينها ضمانا لحقوقها الاقتصادية، وأمنها وسلامة مواطنيها، ومن أجل وضع حد للمنازعات على تلك المصادر، ولبسط سيادتها على كامل إقليمها الوطني، ساهم كل ذلك في حث الخطى نحو إيجاد قوالب قانونية ملزمة لرسم حدودها وتأطيرها في نطاق اتفاقي ثنائي.
كانت المحاولات الأولى على طريق عقد المعاهدات بين الدول، متواضعة وذات طموح محدود، ولكنها كانت في غاية الأهمية لتضع أساساً محدداً للعلاقات بين دويلات المدن ثم الأقاليم، وإن كان بسيطا في مضمونه، إلا أنه كان فتحاً في عالم عانى طويلا من الاضطراب ومن ويلات حروب كان بالإمكان تجنب وقوعها، عالم كان حتى ذلك الوقت، لم يعرف لغة متقاربة يحتكم إليها في حل خلافاته، غير القوة المسلحة لفض المنازعات الثنائية أو الجماعية.
يؤكد المؤرخون أن بلاد ما بين النهرين شهدت أولى النماذج المبكرة من العلاقات المنظمة فيما بين مدنها، كما شهدت توقيع أول اتفاقية في التاريخ عرفتها الإنسانية، وتشير الدلائل على أن معاهدة الصلح المذكورة وقعت بين (لكش وأوما) في عام 3100ق.م، ورسمت الحدود بينهما، وقد كتبت المعاهدة باللغة السومرية، ونصت على وجوب احترام خندق الحدود بينهما وحَجَرْ الحد، الذي وضعه ملك كيش، وتضمنت شرط التحكيم في حال بروز خلافات بينهما على قضايا الحدود.
كما شهد العالم القديم، توقيع اتفاقية مهمة أخرى بين رمسيس الثاني فرعون مصر وحاتيسار ملك الحيثيين في عام 1292ق.م وقد كتبت باللغة الأكدية (البابلية)، وكان أول ذكر للحيثيين قد ورد على يد مؤرخي فرعون مصر رمسيس الثاني، الذين أكدوا انتصاره على الحيثيين في معركة قادش، ويقول الاستاذ المتخصص في الحضارة الحيثية هيرمان غينز في محاضرة له بعنوان (حتوشة، عاصمة الحيثيين العظيمة)، (إن النقوش التي تركها مؤرخو الدولة الفرعونية، كانت محض دعاية فرعونية كاذبة ولا تمت للواقع بصلة، والحقيقة التي تمًت معرفتها بعد التعرف على خفايا الحضارة الحيثية وقراءة مراجعها التاريخية، أن رمسيس الثاني كان قد خسر الحرب في قادش واستطاع بصعوبة انقاذ نفسه وما تبقى من جيوشه، ولكن تلك المعركة كانت لها أهمية بالغة في التاريخ، فقد وقعت الدولتان أول معاهدة للسلام بينهما تركتهما يعيشان بوئام وطمأنينة لعدة قرون، وجرى بينهما تعاون عسكري واقتصادي)، وربما لو كان رمسيس الثاني قد كسب الحرب لما كان على استعداد لتوقيع الاتفاقية، فالدول الكبرى مكتوب لها أن تنتصر في حروبها على الدول الأقل منها شأنا وقوة، وفي هذه الحالة فإنها ستفرض شروطها على الدولة المهزومة، لأنها قادرة على ضمان تطبيقها لزمن لن يكون قصيرا.
الدول الكبيرة كما هو معروف، لم تصل إلى قوتها بصورة فجائية ولا تفقدها بسرعة، والدول الصغيرة حينما تنتصر، ولاعتقادٍ منها أنها غير قادرة عن الدفاع عن نصرها، تذهب لتقنين نصرها حفاظا عليه ولو من الناحية التاريخية.
إن نصوصا كاملة ومؤكدة لاتفاقية لكش وأوما، واتفاقية رمسيس الثاني مع حاتيسار ملك الحيثيين، واللتين كانتا انتصارا لحكمة الإنسان ونزوعه نحو الأمن والاستقرار، في ميدان العلاقات بين الدول بعد حروب طويلة بينها لم تصلا إلينا، بحيث نستطيع تكوين صورة متكاملة عن بنودهما والالتزامات المتقابلة التي قبلت أطرافها فرضها على دولها، باستثناء أحكام التعاون بين الملوك وتسليم اللاجئين السياسيين، لكنها وكأي عمل فيه سبق سياسي، تحتل مكانة مهمة في رسم معالم الطريق لكل الأطراف التي جاءت بعدها، من دول وجماعات كانت قد دخلت في حروب ومنازعات، ثم وجدت أن هذا الخيار لا يجلب إلا الدمار والتخلف، وأن الطرف الذي سيهزم لا بد أن يحاول جمع قواه من أجل رفع الحيف والغبن اللذين لحقا به، ولهذا اقتنعت تلك الأطراف آخر المطاف أن تذهب إلى خيار الحوار، من أجل التوصل إلى اتفاقيات أو معاهدات ثنائية أو جماعية لإقامة علاقات حسن جوار خالية من المنازعات واستخدام القوة، فقد فتحت تلك الإتفاقيات الطريق لعالم جديد يمكن أن يجد له في لغة الحوار حول الموائد، بارقة أمل لغد تسوده روح الوئام والتفاهم، بدلا من الحوار الساخن في سوح القتال، حيث لا تستمر نتائج الحروب ربحا أو خسارة إلى ما لا نهاية، بسبب تصميم المقهورين على إزالة ما لحق بهم من حيف، فتعود عجلة الحرب بالدوران من حيث انتهت، لذا فالتراضي بين الجماعات والدول لا يمكن أن يصنعه السلاح فقط مهما امتلك الأقوياء من قوة عسكرية وقدرة على البطش والتدمير، بل يصنعه الحق والعدل والحوار المتكافئ، ومهما كان صوت المتحاورين فيه خافتا، حتى وإن طال أمده، فإنه قادر على تحويل آمال الشعوب بالسلام والطمأنينة إلى واقع ملموس، شرط أن يستند على قوة الحق المدعومة بحق استخدام القوة المشروعة، إذا بقيت الرسائل السلمية غير مفهومة من الطرف أو الأطراف الأخرى، ولا بد أن يقود السبق الزمني بثمانية عشر قرنا بين اتفاقية العراقيين، واتفاقية رمسيس حاتيسار، إلى التفكير بحال الدول التي قامت في بلاد ما بين النهرين، ومستوى الإبداع الذي عاشته على مستوى التشريع والتقنين والعلوم كالفلك والرياضيات وفن العمارة والفنون، وسبقت به كل الأمم الأخرى.
كما شهدت الهند في ماضيها القديم شكلا من أشكال العلاقات الدولية، ما بين 1200 – و800 ق.م، إذ كانت فيها إمارات صغيرة يحكمها ملوك ضعفاء، ولكنها عندما وصلتها المدنية، من بداية القرن الخامس قبل الميلاد، سرعان ما حصلت تطورات مهمة في ميادين الفكر والدين والفلسفة، ولكن ما يعنينا هو أن قانونا صدر في ذلك الوقت، وهو قانون (مانو)، الذي صدر عام 1000ق.م، وأوجب على المحارب عدم قتل الأسير أو قتل العدو إذا استسلم، ولا يقتل عدوا نائما، ولا يقتل شخصا مسالما لا صلة له بالحرب، وفي مجال العلاقات الخارجية ينص قانون مانو، على أن من يرفع يده بوجه السفير الأجنبي يتعرض للموت، لأن السفير مصان من قبل الآلهة، وقد أرسى قانون مانو القواعد القانونية المنظمة لمعاهدات السلام والتمثيل الدبلوماسي.
أما الصين في العصور القديمة فقد شهدت علاقات خارجية مع الدول الأخرى، إذ عمل فيلسوف الصين “كونفوشيوس” على تكريس مفهوم أن العالم يجب أن يخضع لقانون واحد، على حين دعا الفيلسوف (لاو تزو) إلى الحد من الحروب، وبحث في العقوبات التي يمكن إيقاعها بالمخالفين، وتنسب للصينيين القدامى بحدود القرن السابع قبل الميلاد، أنهم أول من أرسى نظاماً محدداً للتمثيل الدبلوماسي بين الدول، وكذلك تنسب إليهم الدعوة الأولى لوضع قواعد ملزمة لنزع السلاح، ومنع الحروب واللجوء إلى الحوار من أجل حل المنازعات، ومن أجل إقامة سلام دائم، وقد (تبيّن للباحثين في تاريخ الشرق القديم، أن العلاقات بين الشعوب القديمة، لم تكن مقتصرة على ميادين القتال والحرب او الغزو أو التبادل التجاري غير المنظم، بل أن هذه الشعوب عرفت الكثير من العلاقات السلمية المستقرة، وذلك من خلال اتفاق او معاهدة بين الاطراف صاحبة العلاقة، كما ان هذه الكيانات كانت تعرف كيفية القيام بالوساطة والتحكيم كوسيلة لحل المنازعات بينها سلمياً).
وأسهم تطور العلاقات الدولية في أوربا في الألف الأخير قبل الميلاد، في عقد مجموعة من الإتفاقيات الثنائية لحماية أشخاص التجار الأجانب وأموالهم، وأنشأ الإغريق مؤسسة البروكسيني، والتي يعدّها البعض أساس الحماية القنصلية التي نعرفها اليوم، إذ يقوم أحد وجهاء (الكديمة) بمقتضاها بحماية الأجانب وأموالهم، كما ابتدع الإغريق التحكيم في المنازعات بين المدن اليونانية، وتم إحصاء 110 عمليات تحكيم خلال القرون الخمسة التي تنتهي مع الغزو المقدوني في منتصف القرن الرابع قبل الميلاد، كما يمكن حصر عدد غير يسير من المعاهدات التي تم عقدها بين المدن اليونانية القديمة والتي تأخذ طابع المعاهدات الدولية، مثل معاهدة اسبارطة وأثينا عام 446 ق.م، ومعاهدة السلام لخمسين عاما فيما بينهما عام 431 ق.م، لقد عرفت اليونان القديمة بعض قوانين الحرب، مثل قاعدة إعلان الحرب وأنسنة الحروب قدر المستطاع، باعتماد المعاملة الإنسانية للأسرى وحرمة المعابد الدينية، وعدم الاعتداء على المراكز الدينية للعدو أثناء الحروب، كما عرفت اليونان سياسة الأحلاف العسكرية، على الرغم من ان هذا التوجه لم يدم طويلا بسبب الاختلاف في المصالح بين المدن.
وتُسجّل للعرب قبل ظهور الإسلام خطوات مهمة على طريق إقامة الأحلاف من أجل تعزيز السلم ونبذ خيار الحرب، فقد وقّع العرب حلف الفُضول عندما كان الرسول صلى الله عليه وسلم في العشرين من عمره الكريم، حينما دُعيَ لحضور الاجتماع الذي عُقد في دار عبد الله بن جدعان لتوقيع الحلف المذكور، وكان السبب لعقد هذا الحلف أن رجلاً من اليمن قدِم مكة ببضاعة، اشتراها منه العاصي بن وائل، فحبس عنه حقه فذهب اليمني يطلب العون من بني عبد الدار ومخزوم وجمح وسهم وعدي بن كعب، فأبوا أن يعينوه في اقتضاء حقه، عند ذاك اتجه إلى بقية العشائر المكية يطلب المساعدة والنصرة، فتداعى بنو هاشم وبنو المطلب وأسد بن عبد العزى وزهرة ابن كلاّب وتيم بن مرة، فتعاقدوا وتعاهدوا على ألا يجدوا في مكة مظلوماً من أهلها وغيرهم ممن دخلها من سائر الناس إلا قاموا معه، وكانوا على من ظَلمه حتى تُرد له مظلمته، ويمكن الاستدلال من هذا الحلف على أن القبائل العربية، كانت قد أوجدت لعلاقاتها مع بعضها أساسا واقعيا وأخلاقيا ملزما من صيغ التعاون والتكافل، لحماية المظلومين ووضع أسس محددة للوقوف بوجه من يمارس الظلم والعدوان.

مقالات ذات صلة

د. نزار السامرائي

عميد الاسرى العراقيين

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى