الطائرات المسّيرة الإيرانية في حرب اوكرانيا

صباح نوري العجيلي

المدخل :كان لإستخدام روسيا للمسيّرات الإيرانية الانتحارية (الكاميكاز) من طراز شاهد 136 ومهاجر -6 في الحرب الأوكرانية بالآونة الأخيرة، تداعيات كبيرة مما أثار حفيظة دول الناتو التي صعدت من خطابها التحريضي وطالبت بفرض عقوبات على ايران، وهناك تحركا من جانب الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا في مجلس الامن لبحث استخدام الجيش الروسي للطائرات المسيّرة الايرانية في حرب أوكرانيا ، أما طهران فقد نفت الخبر قطعيا فيما تؤكد وزارة الخارجية الامريكية والبنتاغون صحة خبر تزويد الجيش الروسي بالمسيّرات الإيرانية.
و(إسرائيل) المتفوقة في عالم المسّيرات تراقب وتتابع هذا الموضوع بدقة كونه يقع في محور الاهتمام وأبدت استعدادها على فحص مخلفات الطائرات للتأكد من هويتها وطرازها.
ويرى الرئيس الاوكراني أن استعانة روسيا بطائرات مسيرة من ايران هو (دليل على افلاس موسكو العسكري والسياسي).وان الدفاعات الأوكرانية اسقطت العشرات من المسيّرات الإيرانية.


لقد لعبت المسّيرات الإيرانية دوراً مهماً في ساحة الحرب في اوكرانيا مؤخراً حيث استخدمت في قصف البنى التحتية في العاصمة كييف وحرمت الالاف من الكهرباء وقد ساهمت في تعزيز قوة الجيش الروسي في التصدي للهجمات الاوكرانية المضادة .
بكل الأحوال أكتسبت المسيرات الإيرانية في هذه الحرب، سمعة وشهرة في عالم المسيّرات على الرغم من التشكيك الغربي في مستوى كفائتها التكنولوجية، وأن المسيرات الروسية قد فشلت في تلبية متطلبات المعركة. لذلك ينبغي على دول المنطقة التحسب وامتلاك هذا السلاح المتطور ووسائل المجابهة والتصدي.

مقالات ذات صلة

يعود تركيز طهران على تصنيع سلاح المسيّرات الى كلفة التصنيع البسيطة بالمقارنة بالطائرات المقاتلة وأهمية المهام والادوار التي تكلف بها في الحروب الحديثة ولمختلف أنواع القوات وطبيعة مسارح العمليات. كما وان هذا النوع من الاسلحة يتناغم بشكل كبير وفعال مع الإستراتيجية الدفاعية الشاملة لإيران واستخدامها في الحروب غير المتكافئة، فضلا عن توفيرها لوكلائها بالمنطقة لمواجهة أعدائها بالوكالة وبعيدًا عن حدودها، وهو ما حقق نجاحًا ملحوظًا على أرض الواقع، ساهم في تعزيز طهران لنفوذها رغم التضييق الذي يمارس ضدها من الولايات المتحدة.

المسيّرات سلاح ردع قومي

يولي الجيش والحرس الايراني اهتماماً بالغاً في مجال تصنيع وامتلاك الطائرات المسيرة بدون طيار بمختلف الانواع والمهام ولكل صنوف القوات المسلحة وذلك للتعويض عن النقص وجوانب الضعف في القوة الجوية الايرانية التي تعاني من قدم واستهلاك معظم طائراتها المقاتلة بالمقارنة مع القوات الجوية المتطورة لدول المنطقة .
كما زودت ايران وكلائها واذرعها الميليشياوية بالطائرات المسيرة في لبنان واليمن وسوريا والعراق، حيث تنفذ مهام حيوية في اليمن من قبل الحوثيين ضد اهداف سعودية واماراتية. وتستخدمها المليشيات العراقية ضد القواعد الامريكية في العراق، ويستخدمها حزب الله اللبناني في شمال فلسطين المحتلة.
لذلك تعد ايران الطائرات المسيّرة سلاح ردع قومي يعزز نفوذها الإقليمي في منطقة الشرق الاوسط بشكل عام وفي منطقة الخليج العربي بشكل خاص.

تاريخ المسيرات الايرانية

يعود تاريخ امتلاك ايران للطائرات المسيّرة الى عهد نظام الشاه محمد رضا بهلوي، قبل عام 1979 ، حيث استخدمت كوسيلة لاختبار كفاءة صواريخ ارض – ارض والمدفعية وسفن القوات البحرية والصواريخ ارض – جو .
بدأت طهران بتطوير الطائرات المسيرة بدون طيار في ثمانينيات القرن الماضي وخلال الحرب الإيرانية العراقية واستخدمتها على نطاق محدود خلال الحرب عبر المهام الاستطلاعية وتصوير القوات العراقية في قواطع العمليات وجمع المعلومات.
وعلى الرغم من العقوبات المفروضة بسبب برامجها النووية والصاروخية فقد تمكنت من انتاج ونشر مجموعة واسعة من المسيرات التي تستخدم للمراقبة والهجوم.
في العقد الأخير توسعت صناعة المسيرات الإيرانية بأشراف ومتابعة الحرس الثوري الإيراني وأصبحت تنتج مختلف انواع المسيرات لأغراض المراقبة والاستطلاع في نطاق عمل لا يقل عن 200 كيلومتر، وكذلك مسيرات مقاتلة لقصف أهداف أرضية فردية باستخدام القنابل والصواريخ الموجهة . فضلا عن الطائرات الانتحارية (الكاميكاز) التي تتحول الى صاروخ ينفجر على الهدف.

ولأهمية الطائرات المسيرة وادوارها ، أسس الجيش الإيراني أكاديمية عسكرية للتدريب على الطائرات دون طيار بنوعيها الكبيرة والصغيرة في قاعدة “قم الجوية”، وخصصت طهران موارد مالية ضخمة لهذه الأكاديمية.
وازدادت الأنشطة المكثفة لتصميم وصناعة طائرات بدون طيار في مصانع وزارة الدفاع وعدد من الجامعات ، وتملك ايران شركتين لصناعة الطائرات هما (هسا وصنايع هوائي قدس) وهي تعد من أهم المواقع لتصميم وإنتاج المسيّرات.
وتحولت ايران الى مورد في مجال تصدير المسيرات حيث زودت، فنزويلا واثيوبيا وطاجيكستان والسودان وأخيرا روسيا بهذا السلاح ، فضلا عن وكلائها ومليشياتها المسلحة في منطقة الشرق الاوسط .
وتواجه ايران منافسة شديدة من دول إقليمية مثل تركيا التي اشترت دول مثل، أذربيجان واوكرانيا وباكستان واثيوبيا مسيراتها من طراز (بيرقدار تي بي2 ) والتي أثبتت فعاليتها في المعارك في أذربيجان وليبيا واوكرانيا.

أنواع المسّيرات الإيرانية

تمتلك ايران الأنواع الأتية حسب المهام:
1. طائرات الاستطلاع والمراقبة وتصوير ساحة المعركة
2. الطائرات المسيرة المقاتلة التي تحمل الصواريخ الموجهة والقنابل
3. الطائرات الانتحارية (الكاميكاز) التي تنفجر على الهدف

تصنيف المسيّرات الايرانية

يمكن تصنيف المسيّرات الايرانية إلى ثلاثة أقسام:
الأولى: طائرات بدون طيار ذات ارتفاع منخفض (مثل تلاش 1) وهي خاصة بتدريب طياري الطائرات بدون طيار
الثانية: طائرات بدون طيار ذات ارتفاع متوسط ، مثل مهاجر 2 ، 3 والتي تحلق
على أرتفاع 12000 قدم وهي خاصة بالمراقبة والاستطلاع.
الثالثة: الطائرات بدون طيار ذات ارتفاع عال ، مثل الطائرة بدون طيار المسلحة شاهد 129 التي تطير بمدى 1700 كيلومتر و على ارتفاع 25000 قدم وبإمكانها التحليق لمدة 24 ساعة.

صناعة المسيّرات

يركز المجمع الصناعي العسكري الايراني بشكل مكثف على صناعة الطائرات من دون طيار منذ إسقاط الطائرة الامريكية بدون طيار من طراز( آر كيو 170) في 4كانون الأول 2011 ، والتي اخترقت الأجواء من الحدود الشرقية، حيث عملت ايران في وقت لاحق على أستنساخ الطائرة باستخدام الهندسة العكسية لتصنيع نماذج منها في خطة أنجزت في 20 مارس 2015. كما صنعت طائرة أبابيل القادرة على التجسس ورصد الحدود والتحليق مدة تصل إلى ثماني ساعات متتالية.

تعتمد طهران على الهندسة العكسية في بناء نماذج طائراتها المسيرة بالاعتماد على الخبرة الصينية والكورية .
أهم انواع الطائرات بدون طيار التي تصنعها طهران في الوقت الحاضر: أبابيل دلتا هونغ، صاعقة ، مهاجر، طوفان، حازم، زحل ، فطرس، شاهد ، تلاش. وعرضت الصناعة الايرانية طائرة (كرار) عام 2009، وهي الأكثر إنتاجاً من بين الطائرات بدون طيار .

ونفذت القوات المسلحة في مارس آذار2018 تدريباً عسكرياً معقد شاركت فيه 50 طائرة مسيّرة، حيث حلقت أمواج من الطائرات المسيرة سريعا في السماء الزرقاء الصافية وقصفت مباني على جزيرة في الخليج. كان الهدف من هذا الاستعراض للقوة إلقاء الضوء على برنامج الطائرات المسيّرة المطورة محليا في إيران، وهو برنامج كانت تعمل عليه لعدة سنوات.

مهمات المسيّرات الايرانية

تستخدم الطائرات المسيرة لأغراض مهام القوات البرية والجوية والبحرية والصاروخية، من الاستطلاع وجمع المعلومات ومتابعة التحركات المعادية والحرب الالكترونية الى القيام بأعمال قتالية بحملها قنابل وصواريخ، وهذه المهام ستعوض طهران عن الضعف الحاصل بقوتها الجوية
وأصبحت الطائرات بدون طيار الإيرانية على اختلاف أنواعها وأحجامها، أكثر نشاطاً في منطقة الخليج العربي والطرق المائية الدولية الأخرى، وتنفذ بانتظام رحلات مراقبة بالقرب من السفن الحربية الأمريكية التي تعبر مضيق هرمز وتعمل في المنطقة، بالإضافة إلى القيام بمهام المراقبة والاستطلاع في نطاقات عمل لا يقل عن 200 كيلومتر، وبإمكان هذه الطائرات معالجة أهداف أرضية فردية باستخدام القنابل والصواريخ الموجهة.
خصائص الطائرات بدون طيار من ناحية الحجم والوزن وأجهزة الاستشعار، وتجهيزاتها القتالية، حولتها إلى أهم متطلبات العمليات القتالية بالنسبة للجيش والحرس الايراني. ان تقنية الطائرات المسيّرة تساعد وحدات الجيش والحرس على إدارة مسرح العمليات ومطاردة القوات المعادية، وتحديد أماكنها من خلال التصوير والبث المباشر لتجمعاتهم أو الدخول إلى موجات الاتصالات، بالإضافة إلى تحديد مواقع مدفعية العدو وتوجيه نيران القوات المدافعة وتصوير مواقع الوحدات المعادية، بالإضافة إلى إمكانية مواجهة الحرب الإلكترونية فضلاً عن إمكانية الاستفادة منها في مراقبة المناطق الحدودية وتهيئة خرائط المسح الجغرافي لهذه المناطق.

والطائرات المسيّرة الايرانية صالحة للعمل في الحروب اللامتماثلة والحروب بالوكالة التي تعتمدها الاستراتيجية العسكرية الايرانية وكذلك دعم عمليات وتحركات المليشيات والحلفاء .

إلى جانب ذلك، كانت طهران تحاول تحسين مرونة الطائرات بدون طيار الخاصة بها. وسبق وان عرضت العديد من الطائرات بدون طيار مع “أنظمة دفاع جوي محمولة تحت أجنحتها”، والتي تم تغييرها لتعمل كصواريخ جو-جو. حيث بإمكانها أن تطرح تهديداً للطائرات والطائرات المروحية العسكرية والمدنية بطيئة الحركة، على إفتراض أنه بالإمكان استخدامها عملياً.

تكثيف الطلعات الجوية

يكثف الايرانيون وحلفائهم في المرحلة الراهنة من استخدام الطائرات المسيرة في الخليج والعراق وسوريا ولبنان واليمن، وإلى جانب مهام الاستطلاع، يمكن للطائرات المسيرة أن تسقط ذخيرة أو حتى أن تنفذ “طلعة انتحارية حيث يتم تزويدها بالمتفجرات وتوجيهها إلى هدف ما”.
زادت قوات الحوثي المدعومة من إيران بدرجة كبيرة هجماتها باستخدام الطائرات المسيرة في السنوات الماضية، حيث هاجمت مطارات ومنشآت نفطية في السعودية والامارات .
وتسير حاليا طائرتين مسيرتين أو ثلاثة فوق مياه الخليج يوميا، مما يجعلها جزءا أساسيا في جهود إيران لمراقبة مضيق هرمز الذي يمر عبره خمس إمدادات النفط العالمية.
واقتربت طهران من الدخول في حرب مع الولايات المتحدة بعد أن اسقطت طائرة مسيرة أمريكية من طراز آر كيو-4 بصاروخ أرض جو في حزيران 2019، في خطوة كادت تدفع الرئيس الأمريكي السابق (ترامب) لشن ضربة انتقامية .
رسائل طهران من استخدامها الطائرات المسيّرة : محلية واقليمية ودولية، فعلى الصعيد المحلي تبعث برسائل الى مواطنيها لرفع المعنويات في ظل العقوبات المفروضة عليها، واما اقليميا ودوليا فالغاية من رسائلها هي استعراض للقوة الايرانية والتأكيد على عدم التنازل عن ما حققته من منجزات وكذلك لغرض طمأنة حلفائها ووكلاءها الاقليميين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى