انتخابات اميركا 2020 خلفيتها والتركيب الاجتماعي والسياسي للناخبين وماهو مشوار المستقبل؟

من غير المنصف رمي مشاكل اميركا الاقتصادية والاجتماعية على اكتاف ترامب. فهو لم يكن مسؤولا من قريب او بعيد عن منسوب الكراهية لسياسات اميركا عبر العالم بسبب تبني “استراتيجية الحرب على الارهاب” والقيام بعديد من الحروب العبثية ولم يكن مسؤولا عن انتشار مئات القواعد العسكرية خارج حدود الوطن وبعثرة المال العام لصالح لوبيات السلاح ولم يكن مسوؤلا عن تراجع مكانة الاقتصاد الاميركي وهيبته بعد ازمة عام 2008 وتداعياتها الخطيرة ولم يكن مسوؤلا عن تردي اوضاع الناس المعيشية والتي لا تشبه باي صورة من الصور مركز اميركا الاولى والمتفوقة في العالم ولم يكن مسوؤلا عن الانقسامات العنصرية في المجتمع الاميركي ولم يكن مسوؤلا عن الدين العام المتراكم والتي تعدى سقف اجمالي الدخل القومي ولم يكن مسؤولا عن انتقال الصناعات الاميركية العظيمة الى الشرق الاقصى للاستفادة من الايدي العاملة الرخيصة طمعا بالربح الاكبر للافراد وليس للوطن مصلحة فيها والتي زادت من غضب الفئات الشعبية على السلطات الحاكمة ولم يكن مسؤولا عن الفارق الاجتماعي والتعليمي بين الريف والمدينة ولم يكن مسوؤلا عن تشريع قانون نقل السفارة الاميركية الى القدس حيث انه نفذ قرار الكونكرس الصادر عام 1996 ولم… ولم … والقائمة تطول.

اميركا كانت تعاني الكثير من المشاكل والتحديات قبل مجئ ترامب للسلطة عام 2016 (وهو اول المعترفين بذلك عندما رفع شعار اعادة اميركا عظمى (Make America Great Again ) في حملته الانتخابية عام 2016) وهذه التداعيات هي نتيجة تراكمات لعدة عقود لسياسات وسلوك نظام الحزبين التقليدي وما انتجته من اركان الدولة العميقة المتمثلة بالاعلام ومؤسسات الاستخبارات والمخابرات والصناعات العسكرية والشركات المعلوماتية واباطرة المال وتجار السلاح وتضم ايضا قادة الحزبين (الديمقراطي والجمهوري) الذين في معظم توجهاتهم هم متفقون او على الاقل ليس هناك خلافات جدية بينهم ولكن قد يختلفون اجرائيا بادوات وطريقة التطبيق والتي في معظمها لا تشكل عامل مختلف في التوجه او حصول تغير في النتائج على الارض او تحسين حال الناس اليومي في الحصول على حياة كريمة في التعليم والصحة وقدر معقول من العدالة الاجتماعية.

مقالات ذات صلة

المطالبة بالاصلاح

لم تلمس الدولة العميقة كره الناس لها لانها تعيش في ابراج عاجية خلقها الاعلام لها بعيدا عن هموم الشارع فجاء انتخاب اوباما (بعد رفعه شعار التغير) مطالبين منه تطبيق شعاره وتحسين حالهم الاقتصادي ومنحهم حياة كريمة تليق بدولتهم فكان انتخابه صفعة لهم. فهو رئيس مختلف عن كل التوازنات وكسر انتخابه جميع حدود الاعراف. فهو في نهاية الامر من اصول افريقية مسلمة ومع ذلك رفع الشارع اصبعه تاييدا له مطالبينه بتغير البوصلة للصالح العام. وخلال الثمان سنوات التي منحه الشارع له فشل اوباما باجراء تغيرات جذرية حقيقية لصالح الناس فتغير موقفهم (اي الشارع) من المطالبة بالاصلاح وتحسين الحال الى المطالبة بتغير النظام. فكانت انتخابات عام 2016 مفصلية لبداية هذا المشوار.

المطالبة بتغير النظام

كان توقيت ترامب في المشاركة بانتخابات عام 2016 مناسبا له للفوز ومنسجما مع تطلعات الشارع في اسقاط النظام. تتميز انتخابات عام 2016 بمشهدين واضحين:

  • كان طريق ترامب سهلا ومعبدا وسريعا في الانتخابات التمهيدية للترشح عن الحزب الجمهوري وهذا مؤشر الى ان جماهير الحزب وقاعدته تريد تغير النظام وتؤيد بقوة شخص من خارجه.
  • ولم يكن طريقه معقدا للوصول الى خط النهاية امام ممثلة الدولة العميقة (هيلاري كلينتون) بانكفاء الشارع المؤيد لتغير النظام (جماعة بيرني ساندرز) عن التصويت.

فبهذين المشهدين تشابها جماهير الحزبين المطالبين بتغير النظام كل من وجهة نظره وماذا يريده ويتمناه كنتيجة للتغير. فانتج هذا التشابه بين جماهير الحزبين الى  صعود شخص لا يقبل بالنظام الحالي وعمل بقوة على كسر اركانه وتغير النمط الكلاسيكي لسلوك الدولة والمتمثل بالابتعاد عن الاعلام واستخدام منصات التواصل الاجتماعي للتحدث الى الناس وادارة شؤون الدولة وبتغير غير مسبوق ومتكرر لشخصيات ادارية مهمة (خارجية دفاع مستشار امن قومي واخرون ) طالبا منهم تغير الموازين ضمن مواقعهم ومن الواضح ان بومبيو هو الشخص الوحيد الذي رضى عنه ترامب بتطبيق ما اراده منه. 

وهنا وبانتخاب ترامب عام 2016 صحت اركان الدولة العميقة وتيقنت ان توجه الشارع هو ضدها مباشرة. فتجمعت كل اركان الدولة العميقة وتهيئت للمعركة الوجودية فتكاتف الجميع ضده (اي ضد ترامب). فكانت اربعة سنوات مختلفة تماما عن كل السنوات التي سبقتها على الصعيدين الداخلي والخارجي ففيها الكثير من الضجيج والعديد من الصدامات وبات المجتمع اكثر استقطابا وحصل المزيد من الانقسامات على المستويين السياسي والاجتماعي وحتى الاعلامي.

نتائج انتخابات 2020

كانت نسبة المشاركة في التصويت عالية (نسبة مشاركة اكثر من 67%) ولم يسبق لها مثيل خلال اكثر من قرن وهذا يشير الى تجذر الانقسام السياسي والاجتماعي وتعدد اشكاله. وكمرور سريع على نتائج التصويت يمكن ان نلاحظ ما يلي:

  • رغم هزيمة ترامب ولكنه نجح باضافة اكثر من 9 ملايين صوت لقاعدته الذي صوتت له عام 2016. وهم جماعة منسجمة ومتناسقة في افكارها نحو تغير النظام. ان تنحي ترامب عن مقعد الرئاسة ستعطي له مساحة اوسع للتحرك لتنظيم قاعدته وسيتحول الى ظاهرة شعبية من الصعب ايقاف حركتها مستقبلا. 
  • المصوتون ل جو بايدن هم على اشكل متعددة ويمكن توصيفهم كالتالي:
    • جمهور الحزب الرسمين (المنتمون) والذين يصوتون لمرشح الحزب ايا كان ومهما كان برنامج الترشيح.
    • الشباب ذو التوجه اليساري (والمطالب بتغير النظام) والذين اهملوا في عام 2016 وقد نجحوا بجعل المرشح القول “بان العمال والناس اهم من الربح” وتعهد (اي المرشح) بالتزام منهاج داخلي محوره (ان الوظيفة والسكن والصحة هي حقوق وليست امتيازات) وهذه افكار مختلفة تماما عن السياسة الاميركية التي تعمل لصالح الشركات الكبرى وارباب العمل. واذا لم يتمكن الرئيس الجديد من تحقيق ذلك فانهم سيسحبون تايدهم في الانتخابات القادمة وحينها سيتزعزع مكانة الحزب الديمقراطي.
    • جماعة تكره شخصية ترامب المهرجة والخارجة عن اللياقات الدبلوماسية المعتادة والمثيرة للجدل والتي لا تنسجم مع ما هو معروف عن رئيس اقوى دولة في العالم من رزانة في التصرف واستشارة الجميع قبل اتخاذ قراراته وهؤلاء الجماعة التي ايدت بايدن الان هم متارجحون وغير ثابتون.

فمن هذه المراجعة لنتائج التصويت فان السنوات القادمة ستفرز مجموعتين متناقضنين هدفهما هو تغير النظام وستكونان مؤثرتان على الشارع وحتى على نتائج الانتخابات وسيلعبان دور بيضة القبان في توازن القوى وسيتصرفان (مع جمهوهما) كعدوين متصارعين وليس كشريكين متنافسين في وطن واحد احدهما هي (الحركة الترامبية) والاخرى هي (التجمع الساندرزي).

السيناريوهات المحتملة

كنتيجة لحدة الصراع السياسي حول مفهوم الدولة ووظائفها والانقسام المجتمعي حول مفهوم الهوية الموروثة والعيش المشترك ستشهد السنوات القادمة الكثير من الفوضى وعدم الاستقرار وقد تصل احيانا (ولو متفرقة) الى المواجهة المسلحة وخصوصا اذا عرفنا انه هناك اكثر من 500 مليون قطعة سلاح خارج سيطرة الدولة وقد تنشط حركات الانفصال في العديد من الولايات.

‫2 تعليقات

  1. العزيز الغالي الدكتور رافع الكبيسي ابدعت في التحليل المنصف برؤية ستراتيجية عالية الدقة حقاً اقولها كل طروحاتك وتحليلاتك للوضع الامريكي راقية جداً وتحاكي العقول بمختلف مستوياته وهذه دليلاً واضحاً على عمق نظرتك للوضع الامريكي..

  2. احسنت دكتور التحليل المرحلي لماتعتنيه امريكا داخليا وخارجيا الا ان في عام 2016 ومجيء ترامب أصبحت الحركات الشعبوية اليمينية تتحكم أكثر من أي وقت مضىَ في المعارضة القومية، التي استغلت مخاوف المواطنين من الهبوط الإقتصادي وأشعلت التشكك في جدوى الإتحاد الأوروبي وطالبت بوقف الهجرة بصفة عامة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى