بعد التطبيع السعودي الإيراني هل هي عودة جديدة لتركيا إلى الوطن العربي بعد تحرر الطرفين من عُقد الماضي القريب

الجزء الاول

الجزء الاول

بعد فوز رجب طيب أردوغان بانتخابات الرئاسة التركية هذا العام، وسط منافسة ضارية من الأحزاب العلمانية المحسوبة على الأتاتوركية، توقعت أوساط سياسية تركية أن تعيد تركيا النظر بسياستها العربية، لا سيما بعد أن شهدت المرحلة السابقة للانتخابات التركية انفتاحا عربيا على تركيا وانفتاحا تركيا على الوطن العربي، وإن بحدود ضيقة من الطرفين.
ويبدو أن شعور تركيا أنها غير قادرة في هذه المرحلة من عمرها على الأقل، منافسة المنتجات اليابانية والصينية والكورية الجنوبية، بسبب هامش الفرق بين تركيا وهذه البلدان من حيث التطور التكنولوجي، فقد وجدت الزعامة التركية أن الولايات التي تسعى لتدجين تركيا وسلبها قرارها السياسي المستقل او شبه المستقل وتواطؤ أوربا مع الحليف الأمريكي، وجدت أن الوطن العربي يمكن أن يكون سوقا مهمة (وخاصة دول الخليج العربي)، للسلع الصناعية والزراعية التركية على نطاق واسع.
من جهتها وجدت دول مجلس التعاون الخليجي، إنها وعلى الرغم من ضخامة التنازلات التي قدمتها لإيران، فإن المشروع الإيراني المتمثل بهدف تصدير الثورة، بات يطرق أجراسا عالية من إنذارات متكررة، بأن الحرب وشيكة أن تطرق على أبواب ظنت دول الخليج أن الولايات المتحدة ستسارع لتلبية نداء أي طرف يطلب تدخلها إذا ما قامت إيران باحتلال الكويت أو البحرين بذريعة أو أخرى، مع أن هدفها هو الوصول إلى الحرمين الشريفين وليس أي هدف آخر وبخاصة بعد أن أطبقت بكلتا يديها على العراق وسوريا واليمن ولبنان.
لقد اكتشفت دول الخليج العربي لا سيما المملكة العربية السعودية والكويت (في وقت متأخر جدا)، أن غزو العراق لم يكن بسبب دخول العراق إلى الكويت، وإنما لحسابات استراتيجية متعددة المحاور، تلتقي عندها أمريكا وإسرائيل وأوربا وإيران، مما قلب حسابات دول الخليج العربي رأسا على عقب، فأمريكا في واقع الحال، حليف استراتيجي لإيراني بصرف النظر عمن يحكم فيها، وما التصعيد المعلن بين آونة وأخرى بين الطرفين، إلا من أجل المزيد من ابتزاز العرب وتخويفهم من أن إيران القادرة على تحدي الأساطيل الأمريكية الضاربة سواء في الخليج العربي أو في بحر العرب، بل وصل تهديدها للبحر الأحمر والمياه الدولية مع كل ما يمثله من مخاطر على حرية الملاحة البحرية الدولية، لهي قادرة على سحق العرب إن أرادت وطيهم كطي السجل للكتب، مع أن العرب على يقين أن إيران كلها تجرعت على مر التاريخ كؤوس السم من العراقيين في ثلاث معارك فاصلة، أولاها على يد قبائل العراق العربية في معركة ذي قار بقيادة هاني بن مسعود الشيباني، ثم جاءت معركة القادسية التي شارك فيها آلاف من صحابة الرسول الأكرم محمد صلى الله عليه وسلم، وبقيادة ثلاثة قادة كبار هم خالد بن الوليد وسعد بن أبي وقاص، رضي الله عنهم أجمعين، ومن أهم محطات القادسية أن أول قائد لها هو المثنى بن حارثة الشيباني، وكأن قتال الفرس هو اختصاص عراقي شَرّفَ الله به العراقيين دون سواهم.
ومع أن الوعي لدى الدول العربية، بطبيعة المخاطر الإيرانية جاء متأخرا جدا، إلا أنه أيقظ شعورا عاما بالمسؤولية لدى أطراف خارجية، بحتمية إحداث توازن في هذه المنطقة الخطيرة من العالم، لأنها تجهز أكثر من نصف مصادر الطاقة للعالم، ولما كانت الولايات المتحدة حليفا غير مضمون بالنسبة للعرب، تأسيسا على مشاعر كراهية يحملها بعض المسؤولين الأمريكيين تجاه العرب، مثل ما يحمله الرئيس الأمريكي باراك أوباما من مشاعر احتقار للعرب، بمقابل اعجاب فائق بحضارة فارس، أو من قبيل ما يحمله بعض أعضاء الكونغرس الأمريكي للمملكة العربية السعودية، من أسباب للضغينة لتحميلها المسؤولية السياسية لما جرى في 11 سبتمبر/أيلول 2001.
هذا كله أوجد قناعات إقليمية وخاصة لدى الأطراف التي تعتقد أنها مستهدفة من دول أو تحالفات أقوى منها، بضرورة إيجاد تحالفات أساسها التكافؤ في الالتزامات المتبادلة والتعامل السياسي والاقتصادي والأمني، لهذا توصلت دول مجلس التعاون الخليجي، إلى أن الاعتماد على تركيا وكما فعلت قطر مبكرا، يمثل اختيارا ناجحا، لأنها من جانب ليست دولة محاددة للخليج العربي، والموروث من العقد التاريخية للمنطقة مع تركيا لا تكاد تذكر، أو تقارن مع إيران والتي تحمل موروثا متجددا من العداء التاريخي، والذي اكتسب بعداً مذهبياً تكفيرياً، يسعى لتذويب مسلمي العالم وخاصة سكان الخليج العربي في الولاء لإيران، وعلى الأخص المملكة العربية السعودية بمذهب إيران المستند على نظرية عدوانية توسعية، تعتبر الكل على خطأ وهي وحدها على صواب.
من الطبيعي ألا نُحمّل دول الخليج العربي لوحدها مسؤولية الجفوة مع تركيا، فالأخيرة طرحت في الإعلام المرئي والمسموع والمكتوب وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، أفكارا اعتبرتها بعض الدول بمثابة محاولة فرض الوصاية عليها، مما أيقظ مشاعر الخوف العربي من النزعة الإمبراطورية العثمانية، على العموم ما هي أسباب التحول في نظرتي الطرفين والنزوع لفتح صفحة جديدة بينهما؟

مقالات ذات صلة

د. نزار السامرائي

عميد الاسرى العراقيين

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى