طبّعوا مع العراق أولاً واحفظوا أسرار الدولة

جاسم الشمري – كاتب عراقي

يُعتبر مصطلح “تَطبيع العلاقات” من المصطلحات السياسيّة الدوليّة المعاصرة، ويُقصد به: تنظيم معاهدة أو اتّفاقيّة بين دولتين، لجعل العلاقات الثنائيّة طبيعيّة بعد مراحل عداء وتناحر.

ولا يُذكر التطبيع إلا ويذهب الفكر مباشرة لإعادة العلاقات الدبلوماسيّة مع “إسرائيل”. ويشمل التطبيع إحياء التمثيل الدبلوماسيّ والعلاقات الاقتصاديّة والسياحيّة وغيرها.

مقالات ذات صلة

وتجري في العراق منذ سنوات جملة من السياسات المُدهِشة والقافزة على الواقع، وآخرها المحاولات المتجدّدة (قبل أسبوعين) لإزالة نصب أبي جعفر المنصور (ت: 158هـ) مُؤسّس الدولة العباسيّة، وباني مدينة بغداد من مكانه بمنطقة المنصور ببغداد بتُهمة دَسّ السمّ للعالم الجليل جعفر الصادق (وفاته طبيعيّة: 148هـ).

وسبق لنقابة المحامين في النجف أن عَقدت نهاية العام 2012 جلسة مُحاكمة لقَتَلَة “زيد بن زين العابدين بن الحسين” (رضي الله عنهم) (ت: 121هـ) وحكمت المحكمة بالإعدام شنقاً حتّى الموت بحقّ “هشام بن عبد الملك والوليد بن يزيد” وغيرهما، وصدر الحكم بعد 1313 سنة من الواقعة!

ولا نعلم ما الثمار المُرتقبة من هذه الفعّاليّات المَسْمُومة التي تُنعش آفة الطائفيّة، وتُعمّق الفرقة بين المواطنين؟

فما مُبرّرات القانون الجديد؟ وما الغاية من تعطيل القانون السابق الواضح، والمجيء بموادّ قانونيّة مَطاطيّة يُمكن تفسير بعضها بأنّها بداية التطبيع الرسميّ والشعبيّ مع “إسرائيل”، رغم كلّ الأجواء الاحتفاليّة التي رافقت إقرار القانون، الذي لم يكن لحكومة مصطفى الكاظمي أيّ دور في إقراره؟!


وضمن سياسات تَخطّي الواقع المَرير أقرّ مجلس النوّاب العراقيّ، يوم 26 أيار/ مايو 2022، بالإجماع وبعُجالة، قانون تَجريم التطبيع مع “إسرائيل”، رغم أنّ القانون موجود أصلا في المادّة 201 من قانون العقوبات العراقيّ رقم 111 لسنة 1969!

فما مُبرّرات القانون الجديد؟ وما الغاية من تعطيل القانون السابق الواضح، والمجيء بموادّ قانونيّة مَطاطيّة يُمكن تفسير بعضها بأنّها بداية التطبيع الرسميّ والشعبيّ مع “إسرائيل”، رغم كلّ الأجواء الاحتفاليّة التي رافقت إقرار القانون، الذي لم يكن لحكومة مصطفى الكاظمي أيّ دور في إقراره؟!

وقد لوحظ أنّ المادّة “4- أولا” من القانون قضت بالسجن المؤبّد، أو المؤقت لمَنْ يسافر للكيان الصهيونيّ، إلا أنّ الفقرة ثانيا من ذات المادّة قالت: “لا تسري أحكام الفقرة الأولى على الزيارات الدينيّة المُقترِنة بموافقة وزارة الداخليّة”!

فكيف يُمكن لقانون يُجرّم التطبيع ويستثني الزيارات الدينيّة؟

فهل الزيارات الدينيّة، ليست من التطبيع؟

وقد لوحظت عدّة هفوات في القانون كونه لم يتطرّق لمزدوجي الجنسيّة، وكيف سيتعامل مع زياراتهم المُحتملة للكيان الصهيونيّ؟ وهل سيشمل المسؤولين الذين اعترفوا بزياراتهم لـ”إسرائيل”؟

وهنالك فقرة حسّاسة أغفلها القانون تتعلّق بمصير علاقات العراق الدبلوماسيّة مع الدول التي تمتلك علاقات علنيّة مع “إسرائيل”، وهل ستكون هنالك تَبعات دبلوماسيّة للقانون، أم هو مجرّد خطوة لإرضاء بعض القوى السياسيّة لتخليص البلاد من الانسداد السياسيّ المستمرّ منذ قرابة ثمانية أشهر؟

أعتقد أنّ القانون سيؤزّم الموقف السياسيّ العامّ، وسيدخل رئيس الحكومة المقبلة، بأزمات وإحراجات سياسيّة، وبالذات مع الدول الراعية لـ”إسرائيل” وفي مقدّمتها أمريكا التي أدانت تشريع القانون بشدّة!


أرى أنّ هنالك تناقضا ملموسا في الصياغة القانونيّة، وأنّ مَنْ كتبوا القانون أرادوا إشغال الناس ولو بفعاليّة غير ناضجة قانونيّا!

وأعتقد أنّ القانون سيؤزّم الموقف السياسيّ العامّ، وسيدخل رئيس الحكومة المقبلة، بأزمات وإحراجات سياسيّة، وبالذات مع الدول الراعية لـ”إسرائيل” وفي مقدّمتها أمريكا التي أدانت تشريع القانون بشدّة!

ومعلوم أنّ سريان القانون يتمّ بداية بعد نشره في الجريدة الرسميّة، وهذا الأمر لم يُحسم حتّى الآن، وهنالك محاولات لإعادة صياغته بسبب وجود جُملة اعتراضات عليه حتّى من القوى المؤيّدة لإقراره!

وبعد القرار دعا مقتدى الصدر أنصاره للخروج إلى الشوارع للتعبير عن احتفالهم بإقرار القانون!

وهنا نتساءل: لماذا لم تُحرّك القوى “المُبتهجة” بالقانون جماهيرها للمشاركة بمسيرة شعبيّة ضدّ مسيرة الأعلام الصهيونيّة، التي جرت في القدس الأحد الماضي لإحياء ذكرى “سيطرة إسرائيل” على المدينة المقدّسة بعد حرب حزيران/ يونيو 1967؟

مَنْ يرفض التطبيع مع الكيانات المُغتصبة ينبغي ألا يَغتصِب الوطن، وألا يعمل بكلّ ما أوتي من قوّة على تخريب مؤسّسات الدولة، وضرب النسيج الاجتماعيّ عبر الاغتيالات والتهديدات المنظّمة، والسعي لحصر الدولة كاملة في زاوية الطائفيّة المذهبيّة المَقيتة الضيّقة!

التغافل عن القضايا الضروريّة المفقودة في الوطن يؤكّد خلو برامج الأحزاب الحاكمة من مشاريع استراتيجيّة تُعنى بحماية المواطن وحفظ الدولة، وتَهتمّ بالصحّة والتعليم والصناعة وغيرها من ضروريات الحياة التي لا يُمكن تجاهلها!

التغافل عن القضايا الضروريّة المفقودة في الوطن يؤكّد خلو برامج الأحزاب الحاكمة من مشاريع استراتيجيّة تُعنى بحماية المواطن وحفظ الدولة، وتَهتمّ بالصحّة والتعليم والصناعة وغيرها من ضروريات الحياة التي لا يُمكن تجاهلها!


وآخر الكوارث الإدارية الخطيرة، التي تَمسّ أمن الدولة والمجتمع، تَسريب أسئلة بعض الموادّ الامتحانيّة النهائيّة للمرحلتين الابتدائيّة والمتوسّطة، وقد أقرّت وزارة التربية، الخميس، 2 حزيران/ يونيو 2022، بتسرّب أسئلة الرياضيّات للمرحلة المتوسّطة!

وقد سُرِّبت مِرارا العشرات من المخاطبات الرسميّة والأمنيّة السرّيّة جدا عبر مواقع التواصل الاجتماعيّ!

فهل يُعقل أنّ “أسرار الدولة” تُنشر في الطرقات وعبر مواقع التواصل الاجتماعيّ؟

مَنْ يُريد دعم قضايا الأمّة المصيريّة عليه أن يبدأ ببناء وتطوير مؤسّسات الوطن المدنيّة والعسكريّة والعلميّة والاقتصاديّة، وألا يتغافل عن الواقع الرديء لغالبيّة قطاعات البلاد الحيويّة!

طَبّعوا بداية بين وزارات الدولة المختلفة، ومنظومات الجيش والشرطة والأمن والقضاء وبقيّة الدوائر الإداريّة والتربويّة، وبالذات تلك التي تُعاني من توجيهات متناقضة خلال التنفيذ ضمن مؤسّسات الدولة!

وأوقفوا حربكم ضدّ العراق والعراقيّين، وناضلوا للتطبيع مع الوطن والناس، وجَمّدوا السياسات الخَدّاعة، واعملوا لبناء الدولة المُنهكة، واحفظوا أسرار مؤسّساتها، وانشروا الأمن والسلام في ربوع الوطن، وبعدها يُمْكنكم أن تَدّعوا العداء للصهاينة وتُجرّموا التطبيع معهم!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى