قراءة متأنية في الربيع السعودي الإيراني

الجزء الرابع

ومن أجل انصاف ولي العهد السعودي، وعدم إعطاء حكم مبكر عليه من دون مراعاة الظروف الدولية والإقليمية عليه، لا بد من العودة قليلا إلى الوراء كي يكون الحكم مستوفيا لكل شروطه.
لا بد من القول، نحن لا نضع أنفسنا في موضع الناصح الأمين لمحمد بن سلمان، فهو وبعد مكوثه قرابة عقد في موقع المسؤولية الأولى في الدولة السعودية، على الرغم من وجود الملك سلمان بن عبد العزيز في الواجهة، فإن محمد بن سلمان لا بد أنه قد أحاط نفسه بعدد من المستشارين الأكفاء، الذين يفترض بهم أن يمحضوه النصح بما يخدم تاريخه الشخصي كملك مستقبلي مجدد في بلاده، من جهة، وكزعيم استطاع أن يقود بلاده نحو شواطئ الأمن والازدهار من دون أن يفرط بثوابتها الدينية والوطنية، لا سيما وأنه مرشح ليكون في حسابات الظروف الطبيعية أن يكون أطول ملوك السعودية عمرا في منصبه.
كانت الصفة التي التصقت بمحمد بن سلمان وهي الصفة التي حرص عليها بقوة، هي الحزم في تعامله مع كل الملفات التي فُرضت عليه، أو فجرها بنفسه ليرسخ تلك الصفة، ولكن أخطاء الخطوة الأولى لا بد أن تلتصق بشخص القائد الطموح وبخاصة في دول العالم الثالث.
لعل أكثر الخطوات التي اتسمت بالتسرع في خطوات ولي العهد السعودي، هي محاولته إثبات قدرته على التحكم بالملفات الكبيرة التي صادفته أو افترض أنها ستصادفه في أول مسيرته في المسؤولية، منها ما هو داخلي مثل ما تقع فيه أجهزة الإعلام من أخطاء في تفسيرات سلبية لما يقوم به، أو محاولة التحكم بسلوكه من قبل الأمراء الذين لهم حظوة في العائلة المالكة والذين كونوا نفوذا من خلال وجودهم كأمراء من الدرجة الأولى بحكم اعتلاء آبائهم للعرش، وهم أولاد الملوك فيصل وخالد وفهد وعبد الله، وأحفادهم، هذا إذا تجاهلنا الملك سعود الذي لم يستطع فرض حضوره في العائلة كما هو مطلوب من كل ملك، كي يتمكن من إدارة الحكم بقوة ووفق نظرته الخاصة.
ولهذا كانت صفة الاستعجال وحرق المراحل قد لازمت محمد بن سلمان، لتحقيق أهدافه دفعة واحدة، وهذه صفة مشتركة تطبع سلوك الشباب عندما يجدون أنفسهم بصورة مفاجئة أو من دون استعدادات مبكرة، في مواقع سياسية أكبر مما كانوا يتخيلون، ولأن تقاليد عائلة آل سعود حفلت أحيانا بحالات من الانقسام بين وجهات نظر متباينة، وخاصة بين الجيل الأول من أبناء الملك عبد العزيز، والجيل اللاحق، وهو جيل الأحفاد، مما أدى إلى وقوع إخفاقات جدية في مسيرة المملكة، ومرد ذلك هو ما عاشه الجيل المؤسس لحكم العائلة هناك من شظف العيش وانعدام الموارد، مما طبع حياتهم بكثير من خصائص البداوة في جانبها الإيجابي، من جلد وشجاعة وصبر على مواجهة الظروف الصعبة، ومن محاولة تعويض ذلك عندما تحين الفرصة بشيء من الترف والبذخ، وهذا ما تحقق عندما تدفق النفط في البلاد وتَحولَ المملكة إلى أكبر منتج للنفط في العالم، بعد أن أخذت الشركات الأمريكية امتياز انتاجه، تحولت قسوة الحياة وشظف العيش، إلى حالة من الثراء والرفاهية على مستوى الجيل الجديد من الأمراء، ومع الثروة صار ممكنا معرفة فئتين من أمراء آل سعود، الأول وهو الأكثر قيمة وأهمية في نظرة سلطة الحكم، وهم من أحفاد الملك عبد العزيز، ويُرمز لهم بصفة (صاحب السمو الملكي الأمير…) والثاني (سمو الأمير…)، وغالب الظن أن الصنف الثاني قابل هذا الفرز في حينه بكثير من الرضا، لأن من تحمّل أعباء تثبيت أركان الدولة السعودية الثانية، هو الملك عبد العزيز آل سعود وأقام دولة مترامية الأطراف على ظهور الجياد من قبل فرسان شجعان بسطوا سيطرتهم على معظم الجزيرة العربية، حتى استحق لقب أسد جزيرة العرب أو صقرها، وكان كل طفل يولد من أحفاد الملك عبد العزيز من الذكور، يخصص له رصيد من المال في حساب مصرفي خاص ومرتب شهري، ولا يمكن الاقتراب منه إلا بعد بلوغه سن الرشد، في حين أن فرع آل سعود من غير أولاد عبد العزيز يخصص له مرتب ربما لا يزيد على عُشر المبلغ المخصص للفرع الأول، وهنا لابد من تثبيت حقيقة مهمة وهي أن أبن سلمان بدأ بتقليص امتيازات الأمراء، وربما كان هذا أحد أسباب النقمة عليه من قبل كبار الأمراء.
وصل محمد بن سلمان استثناء من القوالب التي وضعتها الأسرة لتعيين الملك وولي العهد، لا سيما وأن عددا من أولاد الملك عبد العزيز كانوا ما زالوا على قيد الحياة، ولكنهم اكتشفوا على حين غفلة منهم أن المُلك قد تخطى من بقي منهم، وانتقل إلى الأحفاد، وكان طبيعيا أن يواجه ولي العهد الجديد والذي سيصبح ملكا ذات يوم وهو مرشح بحكم عمره الصغير نسبيا إلى من سبقه، أن يكون أطول ملوك آل سعود عمرا في المُلك إذا سارت الأمور بسلاسة، وهذا هو بالذات ما ترك ردود فعل متباينة بين الغضب والرضا في أوساط الأسرة، وخاصة من أولئك الذين توصلوا إلى استنتاج إلى أن عائلة الملك سلمان قد هيمنت على الحكم، وأنه سينتقل في بيتها لزمن طويل، نعم واجه بن سلمان معارضة متفاوتة الدرجة في أوساط الأسرة وانتقلت أصداء الموقف، إلى بعض الأوساط المثقفة والصحفية والمؤسسة الدينية المؤثرة في البلاد وحتى بعض كبار الموظفين المقربين من الملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز، التي لم تشأ أن تفلت هذه الفرصة لتمرير غضبها، وإزاء هذا ولقمع الأصوات المعارضة، كان لا بد لحاكم شاب قليل الخبرة والتجربة في الحكم، أن يرتكب أخطاء من طراز أخطاء الزعماء التي ستترك ظلالا قاتمة على حكمه لزمن طويل.
ولعل أكبر خطأ ارتكبه محمد بن سلمان في بداية مسيرته الرسمية، ما حصل مع الصحفي السعودي جمال خاشقجي، الذي لم يسجل عليه في يوم من الأيام معارضته لبلاده، نعم ربما كانت له وجهات نظر غير متطابقة مع توجهات محمد بن سلمان أو حتى طريقة اختياره لولاية العهد، وطريقة استبعاد ولي العهد الأمير محمد بن نايف من مناصبه، ولكن تصفيته في مبنى القنصلية السعودية في إسطنبول، وفضح العملية من قبل السلطات التركية، أثار ردود فعل دولية واسعة النطاق وخاصة من قبل أوساط في الحزب الديمقراطي الأمريكي، الذي كان مرشحه بايدن لانتخابات الرئاسة قد شن حملة شرسة ضد محمد بن سلمان، واتهام الرئيس ترمب مرشح الحزب الجمهوري، للفوز بدخول البيت الأبيض، وتركزت الحملة ضد ولي العهد السعودي بتعهدات بأن الولايات المتحدة لن يهدأ لها بال ما لم ترَ محمد بن سلمان أمام القضاء، خاصة وأن جمال خاشقجي كان أحد كتاب صحيفة واشنطن بوست المؤثرة في صناعة توجهات الرأي العام الأمريكي، وكان تطرف بايدن في هذه النقطة، يحمل دوافع غير نزيهة ولا صلة حقيقية لها بهذه الجريمة، وإنما تحمل موروثا من الكراهية الشخصية التي يحملها بايدن ضد العائلة السعودية، من جهة، ومن جهة أخرى فإن شروط الفوز في انتخابات الرئاسة كما رآها مستشارو بايدن على منافسه ترمب، تلخصت في تسليط الضوء على العلاقات الخاصة التي ربطت بين منافس بايدن في الانتخابات ترمب والعائلة المالكة في السعودية والتي شهدت نموا كبيرا بعد زيارة ترمب إلى الرياض ولقاءاته مع الملك وولي عهده، حتى اعتبرتها بعض الأوساط الصحفية والسياسية الأمريكية، بمثابة جائزة منحتها الولايات المتحدة لمحمد بن سلمان على فعلته في القنصلية السعودية في إسطنبول، ولكن بايدن الذي كان قد ألزم نفسه بتعهدات مستحيلة، وجد نفسه وهو يركب الطائرة الرئاسية ويتوجه إلى الرياض وينتظر دوره كزبون منكسر النفس ينتظر الاعانات على أبواب المنظمات الانسانية.

مقالات ذات صلة

د. نزار السامرائي

عميد الاسرى العراقيين

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى