لا تقتربوا من قوت الشعب فهي خط أحمر

ا. د. محمد طاقة

يعيش العراق، اليوم، أزمة مالية خانقة بسبب انخفاض موارده المالية من صادرات النفط، وانتشار وباء كورونا وما خلّفه من آثار اقتصادية كبيرة جداً شملت الاقتصاد العراقي أيضا بسبب غياب التصورات الاقتصادية الحقيقية عند جميع حكومات الاحتلال، خلال السبعة عشر سنة الماضية، بل عمدت هذه الحكومات العميلة على خدمة أسيادها، وعلى وجه الخصوص حكومة الملالي في طهران، إذ أن ظروف الاحتلال مكنت ايران من السطو على الاقتصاد العراقي برمته، فضلاً عن استفحال الفساد المالي والإداري، الذي لم يسبق له مثيل في تأريخ البشرية.
بددت حكومة العميل نوري المالكي ما لا يقل عن ترليون دولار، وقد بان الإفقار على العراقيين، برغم أن العراق يعدّ من البلدان الغنية في العالم لما يمتلكه من ثروات لا حصر لها وبالأخص النفط (عصبُ الحياة).
إن الميزانية العامة للدولة العراقية تعتمد، بنحو أساس على ما يتأتى من وارداتنا النفطية، التي تمثل ٩٥ بالمئة من واردات الميزانية، وعليه فإن أي تذبذب في أسعار النفط سوف يؤثر، بنحو مباشر، على الميزانية العامة للدولة.
هبط سعر البرميل الواحد إلى قرابة الـ٣٠ دولاراً، خلال شهر آذار ولغاية كانون الاول سنة 2020، بينما كان بحدود ٥٠ دولاراً لشهري كانون ثاني وشباط.
إن العراق يصدر يومياً بحدود ٤ ملايين برميل، ومعنى ذلك أن إيرادات العراق انخفضت بحدود ٤٠ بالمئة، وفِي العام ٢٠١٩ وصلت إيرادات النفط إلى حدود ٨٠ مليار دولار بينما أصبحت الإيرادات النفطية في العام ٢٠٢٠ بحدود ٤٨ مليار دولار.
إن هذا جعل الوضع المالي للميزانية صعباً للغاية وسيترك انعكاساته على النشاط الاقتصادي، إن وجد، من دون إغفال حجم النفقات والالتزامات المالية، التي بذمتنا، إذ أن على الميزانية العامة تسديد الدين العام وفوائده بحدود ٢٨ مليار دولار، وتسديد تكلفة الغاز المستورد لمحطات الكهرباء من إيران بحدود ٤ مليارات دولار، فضلاً عن تسديد حصة اقليم كردستان العراق من ايرادات النفط بحدود ٦ مليارات دولار، إلى جانب النفقات التشغيلية، التي بلغت بحدود ٤٥ مليار دولار بضمنها نفقات مجلس الوزراء والأمانة العامة للمجلس وهي بحدود ٧٠٠ مليون دولار ونفقات رئاسة الجمهورية ٥٠ مليون دولار ونفقات البرلمان ٢١٠ مليون دولار ونفقات الحشد الشعبي ٢،٥ مليار دولار ونفقات وزارة الدفاع بحدود ٧ مليارات دولار.
إن مبيعات العملة الصعبة للمصارف والمؤسسات المالية، التي يجريها البنك المركزي العراقي بموجب مزاد العملة اليومي وبمعدل متوسط مقداره ٢٠٠ مليون دولار في اليوم الواحد، أي بحدود ١٥ مليار دولار سنوياً، ونسبة كبيرة منه يتم تحويلها إلى ايران وسوريا وحزب الله في لبنان، عبر المصارف الإيرانية العاملة في العراق.
مما تقدم يتضح حجم الكارثة المالية، التي تعاني منها الخزينة العراقية.
إن هذه الفوضى الاقتصادية والفساد المالي المستشري وكون الاقتصاد العراقي بيد أناس جهلة همهم الوحيد هو سرقة العراق وتدمير اقتصاده وتحويل أمواله إلى إيران يجعل الوضع المالي للبلد خطيراً جداً إذا لم تتخذ الخطوات الاقتصادية والمالية العلمية لمعالجة هذا الوضع الكارثي، وذلك ما لا يكون إذا لم يتغير نظام الفساد.
معروف أن علماء الاقتصاد لا دور لهم ولم يأخذ أحد رأيهم لحل هذه المشكلات المعقدة، والتي ستزداد تعقيداً إذا استمرت حالة التذبذب في أسعار النفط وتواصل انخفاض أسعاره، بالنحو، الذي يجري الآن.
اقتصاديا، هناك مئات الأساليب لمعالجة الوضع المالي والعجز في الميزانية فِي مثل هذه الحالات، من دون المساس بقوت الشعب وبرواتب الموظفين والمتقاعدين، ومن هذه الأساليب العمل على تقليص الإنفاق العام وغير الضروري وغير القانوني كرواتب رفحا، والقضاء على الفساد المالي والإداري المستشري في البلاد ومحاسبة الفاسدين بأقصى العقوبات وتحديد حالة سرقة المال العام وكيفية ممارسة المسؤولين والمليشيات والأحزاب الإسلامية المهيمنة على السلطة من أخذ الإتاوات والعمولات والعقود الوهمية ورواتب الموظفين الفضائيين وغيرها، مما سيدر على الميزانية مليارات الدولارات، والعمل على استعادة الأموال المسروقة والمهربة إلى خارج القطر، وهي معروفة لدى الجميع، ومعروف أيضاً أنها تقدر بأكثر من ٤٠٠ مليار دولار، كما ينبغي إيقاف العمل بمبيعات العملة الصعبة، التي يمارسها البنك المركزي مما سيدخر يوميا بحدود ٢٥٠ مليون دولار. والعمل على إعادة النظر بقانون الضرائب وبالأخص ضريبة الدخل واستخدام الضريبة التصاعدية على الدخل وتحسين أداء الجهاز الضريبي ومنع التهرب الضريبي، كون الضرائب من أهم واردات الميزانية وإذا تم ذلك فسوف يجلب إلى خزينة الدولة ٤٠ مليار دولار، في أقل تقدير، إذ سيتم فرض الضرائب على جميع الشركات الأجنبية العاملة في العراق وبالأخص الإيرانية منها والمعفاة من الضرائب والرسوم.
كما تجب متابعة ايرادات الدولة المتأتية من المناطق الحدودية الموجودة في جنوبي العراق وشماليه وشرقيه وغربيه، التي تقدر إيراداتها بنحو ٢٥ مليار دولار.
تضاف إلى ذلك كله الإيرادات المتأتية من المنتجات النفطية (النفط الأبيض والأسود) والدهون والشحوم، وكذلك شبكات الاتصال (زين وآسيا سيل وكورك) وعوائد النت وخدمات اخرى تصل إلى حدود ٤٥ مليار دولار وكذلك الإيرادات المتأتية من نشاطات الوزارات، وذلك كله سيدر على الخزينة مليارات الدولارات.
وإذا علمنا أن مجموع النفقات التشغيلية، أي رواتب الموظفين والمتقاعدين، تشكل بحدود ٢١ مليار دولار عدا رواتب رفحا، التي تبلغ ٢٠ مليار دولار، والتي يجب أن تلغى وتعاد جميع المبالغ التي صرفت لهذا الغرض إلى الخزينة، كوّن صرفها كان مخالفاً للدستور المسخ.
وهنالك العديد من الإجراءات الاقتصادية المهمة، مما يمكن ان تنقذ الاقتصاد العراقي، ومنها إعادة تشغيل وبناء القطاع الصناعي على أسس علمية وتشجيع الانتاج الوطني وكذلك القطاع الزراعي وإعادة الكهرباء وتحديد العلاقات التجارية مع إيران إلى أبعد مدى، وغير ذلك من إجراءات تعيد إلى البلد استقلاله الاقتصادي.
لكن هذا، كما قلنا، لن يتحقق بوجود حكومة وبرلمان مسلوبي الإرادة وينفذان أجندات إيرانية وهما فاسدان من رأسهما إلى أخمص أقدامهم ولا تهمهم مصلحة العراق وشعبه.
لا يوجد حل لمشكلات العراق إلا بالتغيير الجذري للواقع الفاسد، الذي يعيشه وإزالة العملية السياسية برمتها ومن جذورها العفنة، وبمجيء نظام وطني تعددي ديمقراطي وبناء دولة مدنية حديثة تعمل من أجل الاستخدام الأمثل للموارد المادية والبشرية للبلد وتحقق تنميته المستدامة، عندئذ، وبما يمتلكه العراق من موارد مالية تؤهله للاستغناء عن موارده النفطية، يمكن تحقيق الازدهار الاقتصادي وترفيه شعب العراق..

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى