مـعركة تـحرير الـفاو

الفريق الركن رعـد مـجيد الحمداني

  • كان التاريخ هو أول أيام رمضان. لذا، سميت المعركة من قِبل العراقيين، “رمضان مبارك”. وقد وافقت نهاية يوم 16 أبريل، وقبل بدء نهار 17 أبريل. لذلك، كان هجوماً ليلياً صامتاً. هدفه استعادة السيطرة على شبه جزيرة الفاو كلها .

  • كانت المعلومات المحصلة عن الفاو جيدة… فآخر تصوير جوي للقاطع كان بتاريخ 30/3/1988 احتوى على تفاصيل دقيقة جدا عن توزيع القطعات والاسلحة والعقد الدفاعية والاسلحة الساندة… وتم اعداد مسرح قتال مشابه لمسرح قاطع العمارة، وتدربت معظم الوحدات والتشكيلات على طبيعة الارض، وثابر قائد الحرس الجمهوري على رفع قدرة قواته لبلوغ المستوى الذين يؤمن لها الظفر بالمعركة لتحرير الفاو…… وهي المهمة التي أقسم على تحقيقها حين استلم مسؤولية الحرس الجمهوري، وكان صدام موفقا في اختيار هذا القائد المثابر والشجاع جدا (( الفريق الاول الركن أياد فتيح الراوي كان برتبة لواء ركن آنذاك ))……
  • كانت مهمة تحرير الجزء الغربي ملقاة على عاتق فرقة المدينة المنورة، حرس جمهوري، والذي يبدأ من خور عبد الله الى نصف قاطع المسؤولية، وبالعمق الى المشروع 81 (مشروع قديم لصواريخ البحرية العراقية)، أما مسؤولية فرقة بغداد، حرس جمهوري، فكانت على الطريق الاستراتيجي الذي يحد قاطع مسؤولية الفيلق السابع إلى الحدود الفاصلة مع فرقة المدينة المنورة حرس جمهوري وبالعمق الى نهاية منطقة المملحة…. أما مهمة فرقة حمورابي حرس جمهوري فكانت الصفحة الثانية، وهي تحرير الفاو بالتعاون مع جهد الفيلق السابع والاندفاع الى رأس البيشة، أي الى رأس المثلث البري العراقي المطل على الخليج العربي… أما فرقة نبوخذ نصر حرس جمهوري بقيادة العميد الركن آنذاك أزهر عبد الله فهي فرقة احتياط….
  • و بعد العرض جرت تعديلات على خطتي فرقة المدينة المنور بقيادة العميد الركن آنذاك أحمد حماش، وفرقة حمورابي بقيادة العميد الركن آنذاك ابراهيم عبد الستار… أما خطة فرقة بغداد حرس جمهوري بقيادة العميد الركن آنذاك عبد الواحد شنان فكانت مستوفية… وكانت أعقد الاعمال والمهام هي الجهد الهندسي الذي كان يتمحور على فتح الممرات والمجازات وتأمين اكساء المنطقة الرخوة لتسمح باندفاع الدروع والعجلات عبر فرش حصر معدنية، وكذلك اكساء الممرات بمادة السبيس والحصى، علاوة على تأمين الجسور الصغيرة وتهيئة وسائد الاحذية العريضة لمنع غوص أرجل قطعات الصولة… وكانت الهمة عالية والحمد لله… وكانت ضمن واجباتي كضابط ركن عمليات عرض ما نتوصل اليه على معاون رئيس أركان الجيش، ومنه الى صدام، حيث كنت استقل طائرة مروحية الى مديرية الاستخبارات العسكرية برئاسة اللواء صابر عبد العزيز الدوري لاطلاع الشخص المخول على الخطة، وهو وفيق السامرائي… ثم استقل احدى عجلات ديوان الرئاسة الى مبنى القيادة التي اتخذت آنذاك من أحد قصور الضيافة مقرا لها (قصر بغداد)….
  • يوم بدء العمليات تأخر الى يوم 17/4/1988 لعدم تكامل استحضارات الفيلق السابع بقيادة اللواء الركن آنذاك ماهر عبد الرشيد، وكان هذا اليوم يصادف أول يوم رمضان، فأطلق صدام على هذه العملية مسمى عملية رمضان مبارك … وكانت عناية الله سبحانه وتعالى لصالحنا… حيث سائت الاحوال الجوية مما حد من إمكانيات الرصد المعادي… حيث كان للعدو أكثر من 70 برجا كبيرا للمراقبة…
  • ليلة الهجوم الكبير حضرصدام وعدنان خير الله الى مقرنا….وأدارا جزءا من المعركة من غرفة عمليات قوات الحرس الجمهوري… وقد كلف نجليه (عدي وقصي) بمشاركة قائدي الحرس الجمهوري والفيلق السابع… فعدي كان مع الحرس، وقصي مع الفيلق السابع ((تزوج قصي من ابنة الفريق الاول الركن ماهر وأنجب منها شبلا بلغ مبلغ الرجال اطلق عليه اسم مصطفى، وقد استشهد الفتى مع ابيه وعمه اثر معركة بطولية استمرت ست ساعات خاضوها مع مئات الامريكان في الموصل بعد إحتلال العراق))….
  • في الساعة الرابعة والنصف من فجر يوم 17/4/1988 أطلقت أكثر من ألف فوهة نيران القصف التمهيدي المركز… ومن ضمنها ضربة بالسلاح الكيماوي… وبدءا من الساعة السادسة شاركت الدبابات المخصصة لتدمير النقاط الحصينة الامامية من على منصات صنعت لها… وشاركت القوة الجوية وعدد من زوارق البحرية في مرحلة القصف التمهيدي… وفي تمام الساعة السادسة والنصف انطلقت وحدات الصولة لاقتحام الحاجز النفسي الكبير… سرعان ما بدأنا نستمع من خلال الاتصالات البشائر الاولى للنصر… لم تتأخر القطعات المعقبة الاخرى من زف أخبار النصر الواحد تلو الاخر ونحن غير مصدقين من سرعة ذلك النجاح… وبعد مرور ست ساعات كانت كل التشكيلات الامامية في أهدافها عدا قاطع لواء القوات الخاصة السادس عشر حرس جمهوري، الذي كان بإمرة العقيد الركن آنذاك طلال القيسي…. حيث كان المانع المائي كبيرا وعميقا… وقد تركزت أمامه قوة معادية كبيرة جدا… ومن خلال مواطيء النجاح الاولى، تم دفع القدمة الثانية من الصولة، ومن خلال قاطع اللواء السادس بقيادة العقيد الركن آنذاك رعد رشاد تم الالتفاف حول مقاومة اللواء السادس عشر… فتم تدميرها بالكامل… وانطلقت الالوية المدرعة بالاندفاع نحو العمق… ومع حلول ليل ذلك اليوم اكملت كافة تشكيلاتنا اهدافها للصفحة الاولى بكل مراحلها…. كذلك وردتنا أخبار النصر في قاطع الفيلق السابع الذي كان يقاتل في القسم الشرقي….
  • في ليلة 17-18/4/1988 وبعد أن اكملت فرقتنا احتلال أهدافها وكذلك فرق الفيلق السابع، قام آمر مدفعية هذا الفيلق اللواء نايف قصب جنديل بزيارة مقرنا على ضوء توجيه صدام بضرورة تكثيف اجراءات التنسيق… فاطلع على موقفنا واطلعنا على مواقف قوات فيلقه…. كان هناك تنافس شديد لكسب شرف دخول الفاو بين الفيلق السابع وقوات الحرس الجمهوري…
  • بدأت الصفحة الثانية بقصف تمهيدي ونار ساترة، فدارت معركة شديدة… وفي تمام الساعة الثانية عشرة أعلن اللواء 20 حرس جمهوري تتقدمه كتيبة دبابات الفارس التي يقودها المقدم ركن سالم حافظ من اللواء السابع عشر المدرع حرس جمهوري دخول الفاو… وتم رفع العلم العراقي… وتداخل ذلك أيضا مع دخول قطعات اللواء 30 المدرع من الفيلق السابع… فزفت البشرى الكبرى..
  • و هنا أمر صدام حسين بدمج وتداخل الصفحة التالية دون انتظار مرحلة ترصين الهدف، حيث اندفعت فرقة حمورابي حرس جمهوري لتحقيق واكمال الصفحة الثالثة… فواصل لواء المشاة 23 حرس جمهوري بقيادة العقيد الركن آنذاك صالح يوسف الى رأس البيشة… فأمر صدام بالسماح للعدو المهزوم بعبور شط العرب على جسر الانابيب المقام من قبلة لاشاعة روح الهزيمة في قطعات العدو في الضفة الشرقية لشط العرب… ثم وبناء على رجاء أعضاء القيادة العامة، وخاصة الفريق الطيار الركن الحكم التكريتي، اكتفينا بتدمير ذلك الجسر بالقوة الجوية… ذلك أن صدام تساءل فيما لو كان لنا امكانية العبور الى الاراضي الفارسية لتأكيد الاقتدار العراقي…. وفيما بعد كتب صدام بيان النصر العربي المبين وأملاه بالهاتف على وزير الاعلام يومها لطيف نصيف جاسم، واذيع البيان على الشعب العراقي العظيم.. فكانت البشرى عظيمة والفرحة أعظم وكان حدثا عربيا عراقيا عظيما….
  • قلب هذا النصر موازين القوى، فارتفعت معنويات قواتنا وشعبنا الى عنان السماء، وحصلت الصدمة بالعدو الفارسي، وكأنه لم يصدق ما حدث… وعصر ذلك اليوم حلق صدام وعدنان بالمروحية فوق الاراضي المحررة… وكانت آثار القصف المدفعي والصاروخي احدى الملاحظات التي تحدث عنها صدام فيما بعد…. لقد تفوق مركز الثقل العراقي الذي نفذ الهجوم على قدرة الخصم… فلم تبد منه ردة فعل نظرا لبعد مركز ثقل قواته المتواجد في أقصى الشمال…. وكانت تضحياتنا مقبولة نوعا ما… فلم تتجاوز الف شهيد.. في حين عند احتلال الفاو خسرنا حوالي الخمسين الف شهيد… ولا شك ان العدو خسر الالاف المؤلفه من جنوده في تلك المعركة الميمونة المظفرة… لقد دلت هذه المعركة على حب الوطن وقدرة قواته المسلحة وعلى استعداد الشعب للتضحية من اجل كرامة الوطن وطهارة ترابه…
    الفريق الركن رعد مجيد الحمداني ..
    قائد فيلق الحرس الجمهوري العراقي الثاني ( الفتح المبين )

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى