من الافضل لمصالح ايران في العراق،سياسة ترامب أم بايدن؟ حقائق من داخل السياسة الاميركية

هذا مقال كتبته لاني اعلم ان كثير منكم قد يجد فيه معلومات جديدة عن السياسة الاميركية في العراق خلال حقبة ترامب مأخوذة من المسؤول عن الملف العراقي في الخارجية الاميركية.

مناسبة هذا المقال هو ما كتبه مؤخرا ديفيد شنكر الباحث الاقدم في معهد واشنطن لسياسات الشرق الادنى عن سياسة ترامب تجاه ايران في العراق وكشف خلاله عن حقائق بعضها قد يكون معروفا والاخر مخفي عن القارىء العراقي. تنبع أهمية المقال من كون كاتبه ترك للتو منصبه الذي كان يشغله طوال مدة ترامب،كمساعد لوزير الخارجية لشؤون الشرق الادنى وهو ما يعني انه كان المسؤول المباشر عن الملف العراقي. عرفت شنكر واراءه من سنين قبل توليه المنصب من خلال معهد واشنطن وهو أحد المؤمنين بضرورة التصدي بشدة لسياسة ونفوذ ايران في العراق والمنطقة. ورغم عدم لقاءي به طيلة مدة توليه المنصب بعد ذلك، الا ان وصفه الموجز في المقال لطبيعة السياسة الأمريكية في العراق وزياراته الاثني عشر لبغداد ولقاءاته بالمسؤولين العراقيين في حكومتي عبد المهدي والكاظمي خلال تلك المدة تجعلني اقول ان تلك السياسة هي في جزء مهم منها انعكاس لما كان يؤمن به شنكر.
أهم وأخطر ما في المقال الذي يحاول توكيد حجج المعسكر الداعي للبقاء في العراق باعتباره ضرورة قصوى للمصلحة الاميركية، هو استنتاجه انه لا تتوفر للكاظمي سوى خيارات محدودة تجاه التهديد الايراني.ذلك ان “الجارة” كما يصفها، تميل الى(قتل)خصومها السياسيين في العراق. وعلى الرغم من اشادته بالكاظمي ووطنيته وشجاعته كأفضل رئيس وزراء حكم العراق منذ(انقلاب 1958 كما يعتقد)،وعلى الرغم من اعترافه انه كان يرى ان فرصة تولي الكاظمي للمنصب ضئيلة جدا في بداية 2020، الا انه بعد هذه المدة بات يشكك في قدرة الكاظمي او اي رئيس وزراء عراقي في الوفاء بالتزاماتهم في حماية الاميركيين في العراق. ويبدو ان انطباعه هذا لم يأت فقط من احباطه مما آلت اليه عملية جهاز مكافحة الارهاب في البوعيثة ضد احد مقرات كتائب حزب الله، بل ايضا من خيبة أمله وهو يصف لقاءاته بعادل عبد المهدي بالعقيمة، ويقول عنه انه ( اعتاد المراوغة والتلاعب بالكلمات حيث كان يردد على مسامعي اكثر من مرة قولا مأثورا لديه “ايران جارتنا وانتم اصدقاؤنا” ) حتى وصلت الهجمات على المصالح الاميركية في العراق ذروتها في ك2 2020 بالاقتحام (المدبر) للسفارة الاميركية في بغداد. عند ذاك ادركت الادارة الاميركية انه لا يمكن وقف هذه الهجمات دون تحميل ايران المسؤولية المباشرة عن (اعمال وكلائها عبر استهداف ايران مباشرة). هذا كما يبدو كان الدافع وراء اغتيال سليماني والمهندس. ثم يشير الكاتب انه نتيجة ابلاغ ايران بتحملها المسؤولية عما يحصل في العراق شهدت الاشهر الاخيرة لادارة ترامب فترة راحة للقوات الاميركية من الهجمات. لذلك فأن تصاعد الهجمات على الاميركان في العراق خلال الاشهر الاولى من فترة بايدن هو نتيجة عدم (ارساء ادارة بايدن لقوة ردع امريكية لايران). وعلى الرغم من اشادته برد الفعل العسكري الامريكي على الهجوم على مطار اربيل الا ان شينكر يحذر ادارة بايدن قائلا(لا يخطئن احد فيظن ان هذا الرد سيكون كافيا لردع المزيد من الهجمات) لأنه يؤمن (ان ايران ستقاتل امريكا حتى آخر شيعي في العراق) كما يقول.
ان من الواضح ان المقال يحاول التأثير في ملامح السياسة الاميركية القادمة في العراق والتي لا تزال في اعتقادي في طور المراجعة والتطوير. والمقال يعكس وجهة نظر كثير من الجمهوريين من المهتمين بسياسة امريكا في المنطقة ومن القريبين منهم، والذين يخشون من كابوس عودة سياسة اوباما التي اسفرت(في مآلاتها وليس في مقاصدها)عن وضع المنطقة بأكملها،وليس العراق فحسب ، بين كماشة داعش من جهة وفك ايران ووكلائها من جهة اخرى. وعلى الرغم من تخوفي مثل الاخرين من سياسة اميركية غبية وغير مسؤولة كالتي تعودناها سابقا، الا اني اتلمس(وأن كنت غير متأكد بعد) ملامح سياسة بايدنية مختلفة، ظاهرها الرحمة وباطنها شديد الوطأة على ايران. فالأميركان كما يبدو وعوا درس نشوء داعش واطلاق يد ايران في المنطقة نتيجة سياسة الانسحاب الاوبامية، لكنهم يعون ايضا ان سياسة ترامب -ورغم ما كتبه شينكر- لم تحد كثيرا من توسع القوة والنفوذ الايرانيين في المنطقة. لا بل ان الخطاب الامريكي المتشدد أعطى الشرعية للمتشددين والحرس الثوري في ايران وأتباعه في العراق لكي يزيدوا من قوتهم وحملاتهم العسكرية وخطاباتهم الدعائية وهجماتهم الثورية دون ان يحد ذلك فعلا من النفوذ الايراني في المنطقة.هنا لابد من الاشارة الى ان ادارة ترامب هي من انسحبت من سوريا وقلصت وجودها العسكري في العراق الى ادنى حد منذ 2014 ! بالتالي تبدو سياسة ترامب أقل فاعلية في نتائجها غير المباشرة مما يعتقد الكثيرون من دعاة التشدد. وان هذه السياسة -أقل ما يقال عنها- أنها لم تحد من التواجد الايراني بل قد تكون خدمت المصالح الايرانية من حيث لا تقصد، وأضرت بمصداقية أميركا وتحالفاتها وبالذات مع الاوربيين. لذا فأن سياسة(الاحتواء) البايدنية التي بدأت تتبلور والشبيهة بسياسة ادارة كلنتون تجاه العراق في بداية تسعينات القرن الماضي، قد تكون أشد وطأة على طموحات ايران الاقليمية ، من سياسة الضغط الاقصى الترامبية. أن الجدل الدائر في واشنطن اليوم حول الانسحاب من المنطقة سينتهي في اعتقادي الى سياسة فيها مزيد من الضغط الأمريكي الناعم على ايران والمقترن بخيارات عسكرية مفتوحة. ومثلمل يطمح التيار المتشدد في واشنطن والمنطقة الى مزيد من القوة الاميركية الخشنة ، فان التيار الأيراني المتشدد سيكون هو الاخر اكثر ترحيبا ب(بعض) القوة الاميركية الخشنة التي تضمن له ادامة شرعيته الثورية والحفاظ على مكاسبه التي بدأها في عهد اوباما وعززها في عهد ترامب.

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى