يوميات مسافر على طريق أحمر

الجزء الثاني

كان زيدون صامتا وسارحا ينظر إلى البعيد من الطريق الرابط بين بغداد وسامراء ويفكر بقادم الأيام التي سيضمه مع خطيبته في بيت واحد حيث يعود لعالم الطفولة البريئة ولكن مع أولاده الذي كان مصمما على أن يجعل منهم فصيلا كاملا، كانت هذه الأفكار تداعب مخيلته وتستنهض فيه كل عوامل التحدي والتطلع لحياة جديدة بكل مفرداتها وتفاصيلها، على الرغم من أنه ما زال في مقتبل العمر، إلا أنه نجح في وضع أبيه وأمه أمام الأمر الواقع بقبول فكرة الزواج المبكر، أما ابن عمه مروان فكان وهو جالس وراء مقوّد الشاحنة الصغيرة، يراقب الطريق نفسه بحذر شديد وإشفاق من أن يبرز أمامه رتل أمريكي فيملأ الأرض رعبا وهلعا ويحتل الطريق عن آخره ويصادر حق أهله من مجرد المسير فوقه، ويفسر كل توقف على أنه دليل على عملية (إرهابية) فيفتح النار عشوائيا ولا يكترث لمن يقتل فذلك هو ما يرمي إليه، كان مروان يحمل من القلق الشيء الكثير لأن الأمريكان يقتلون ثم يبحثون عن مبرر معلن لسلوكهم، مدعومين بإدارة احترفت الجريمة ومنحتهم كل ثقتها ودعمها، ولذا كان يراقب الطريق وعلى جوانبه كل حالة قد تطرأ فجأة فتغير وجهة الرحلة، كانت الشاحنة جديدة ولم يتوقع أحد منهما أن تصاب بعطل مفاجئ يلزمهما التوقف أكثر من مرة لمعالجته، ومع ذلك فقد رفضت المضي في طريق العودة، إذ تعرضت لعطل بعد مسافة غير بعيدة عن بوابة بغداد، حتى اضطرا في نهاية المطاف الاستعانة بميكانيكي لإصلاح الخلل وأخذ هذا التأخر من وقتهما أكثر من ضعف الوقت اللازم للوصول إلى سامراء قبل بدء سريان حظر التجوال، وبعد طول سفر وصلا بشاحنتهما التي أتعبتها الرحلة وأتعبتهما أكثر منها، إلى مشارف سامراء في وقت يقل بنصف ساعة من الوقت الذي أعطت القوات الأمريكية لنفسها الحق في فتح النار على كل كائن متحرك على الطريق بسبب حظر التجول الذي سيستخدم مسارا لإطلاقة جاهزة في بندقية جندي أرهقه رعب الانتظار لمجهول يفوق الموت في إثارة كوامن النفس، ويرى في كل متحرك عدوا مؤكدا وهدفا مشروعا للقتل، لأن من لا يقتل أولا سيكون هو الضحية هكذا أدخلت القيادة العسكرية الأمريكية هذه القناعة في عقول جنود قادمين من أزقة خلفية لم تعلمهم سنوات التدريب إلا كيفية حماية النفس ولكن بالقتل.


أقام (الحرس الوطني) الذي شكلّته القوات الأمريكية من بعض ضعاف النفوس الذين لم يثبتوا أمام إغراء العملة الخضراء، أقاموا نقطتي تفتيش على جانبي سد سامراء لمراقبة الطريق الوحيدة التي يربط سامراء مع طريق بغداد الدولي مع الموصل، كان الجنود المتعبون والذين تحولت حجرتهم في بداية العام الميلادي، إلى مدخنة مغلقة بسبب موقد النار الذي حاولوا فيه امتصاص غضب الطبيعة بدرجات تدنت إلى مستوى الصفر المئوي، يتمنون ألا يضطروا لمبارحتها على الرغم من الدخان الكثيف الذي غطى جدرانها الداكنة، ومع ذلك فإنهم كانوا يراقبون المشهد عن بعد، ليس حرصا على تنفيذ واجب ينظر إليه أبناء مدينتهم على أنه عارٌ لن تمحوه السنون وقفاز عراقي لحماية أيدي لاعبين غرباء يحتلون البلد يريد قتل أبنائه برصاص أبناء آخرين، وإنما خشية من دورية أمريكية لا تمنحهم الثقة ولا تنفك تجوب المنطقة جيئة وذهابا، فتمزق جدران الصمت الشتوي القارس بحركة سرفات دباباتها وعجلاتها المجنزرة وتحيل الطريق إلى أرض محروثة بالأخاديد وكأنهم يسعون إلى تقويض أسس سد الثرثار على دجلة في سامراء، ولهذا كان أفراد الحراسة في المناوبة الليلية يتناوبون على مراقبة قدوم الدوريات الأمريكية، أكثر من الحرص على مراقبة العابرين من سامراء وإليها، خاصة وأن بدء سريان منع التجول، لم يتبق لموعده إلا أقل من ساعة واحدة، وبعدها تنتهي مرحلة القلق وهاجس الخوف من غضب الشارع العراقي واحتقار القوات الأمريكية لكل المتعاونين.
عندما كانت الشاحنة الصغيرة تقترب من نقطة الحراسة، بدأ مروان باستخدام الإنارة والإشارات الرباعية، من أجل تنبيه جنود السيطرة الثابتة لسيارة كانت تسير ببطء شديد فتلك أوامر قوات الاحتلال وتطبقها قوات الحرس الوطني بحذافيرها ومن يخالفها يعرض نفسه لإطلاق نار مؤكد، خرج الجنود من حجرتهم المؤصدة فلفحتهم نسمة باردة مرت قبل قليل فوق بحيرة مقدم سد الثرثار فحملت قليلا من الرطوبة التي لطّفت قليلا من برودتها فتيبست لها وجوههم الداكنة، تصنع الجنود الحزم في محاولة إخفاء التثاقل الكسول في هذه الليلة الباردة، هو ما أظهره الجنود مع القادمين.
ماذا جاء بكما في هذا الوقت؟ ساد الصمت بضع ثوان مع نظرات حائرة بين مروان وزيدون، … تعطلت السيارة في الطريق فأخرتنا، قال مروان وكان يريد الانتقال إلى السؤال التالي.

مقالات ذات صلة


بعد برهة عرف بعض جنود نقطة التفتيش القادمين في هذه الشاحنة الصغيرة فرحبا بهما وحاولا أن يقدما لهما شيئا ساخنا يدفع عنهما البرد والقلق، لكن الأمريكيين إذا عرفوا بذلك فقد يخسر أفراد الحرس الوطني وظائفهم ومصدر رزقهم، كان المشرف على نقطة السيطرة ضابطا من غير أهل المدينة، لضمان عدم حصول تواطؤ بين أفراد نقطة السيطرة وأهل المدينة قد يسبب خرقا لأمن الجنود الأمريكان، فأمرهم ببدء التفتيش الدقيق لحمولة الشاحنة، وكذلك محركها وقمرة القيادة، وبعد ذلك تفتيش سائقها ومن يرافقه، كان الوقت يمضي بطيئا جدا ويشد معه الأعصاب، وبعد أن انتهت حفلة التفتيش، همس جندي من العاملين في السيطرة وهو من أهل سامراء بأذن مروان … لا تعبر السد فلم يعد هناك متسع من الوقت وهؤلاء الكلاب يترصدون العابرين بحثا لهم عن ضحية ولن يفلت منهم أحد، لقد تكبدوا اليوم خسارة كبيرة في جنودهم عندما انفجرت عبوة ناسفة بدورية آلية لهم عند مفترق طريق المرور السريع المؤدي إلى بغداد جنوبا والموصل شمالا ودمرت لهم عربة همر وقتلت من فيها، إنهم اليوم كذئب جريح يحاول التنفيس عن احتقان يغلي في الصدور ويبحث عن ضحية يتلهى بها، سيفكرون بالانتقام لمجرد أنهم وجدوا فرصة لذلك كي يتظاهروا بالوفاء لمن قُتل منهم، حتى لو كان الضحية لا صلة له بمن قُتل من جنودهم، المهم أنهم يبحثون عن ذريعة لممارسة لعبتهم المفضلة أو هوايتهم المقدسة، السباحة في دماء الأبرياء، لقد اعتادوا منظر الدم ولا يطيقون عدم رؤيته لزمن طويل.
تشاور مروان وزيدون في هذه النصيحة الثمينة والمجانية، وتداعت التحليلات متزاحمة ومتناقضة، وتوجها بالسؤال إلى الجندي الحائر، ماذا لو جاء الأمريكيون ووجدونا في هذه المنطقة العسكرية المحظورة علينا وماذا لو وجدونا على قارعة الطريق؟ أنتم وحظكم! قال جندي من سيطرة الحرس الوطني لم تمر علينا حالة كهذه ولا ندري ماذا ننصحكم، وإذن فالخطر واحد وبدرجة متساوية، إذن لماذا المكوث هنا، ولدينا بعض الوقت كي نصل إلى المنزل فنحن لا نحتاج أكثر من عشر دقائق على أكثر تقدير حتى بفرض المسير البطيء، ركبوا السيارة ولوح لهم بعض الجنود بأيديهم بإشفاق وألم، حتى توارت الشاحنة في ظلام الليل البارد، في طريق السد الملتوي والرابط بين سد الثرثار ومدينة سامراء في جوف الليل المظلم.
كانت الضرورة تقتضي السياقة الحذرة مع انتشار السيطرات الأمريكية المتحركة على طول السدة الترابية القوسية الموصلة مما يلي منطقة القلعة على يمين الطريق العام ويربط بين بوابات ناظم سد سامراء الذي كان يستخدم جسرا بين شمال سامراء وجنوبها، الأمريكيون يقيمون سيطرات “طيارة” لفترات قصيرة لتنتقل إلى مكان آخر، ولهذا فقد كان حتمياً التعامل مع هذا الظرف بمنتهى الحيطة والحذر، فلا مجال هنا للاعتذار عن خطأ ولا وقت لتصحيحه إن وقع، فبندقية الجندي الأمريكي تتصيد المخطئ للتخلص منه حينما يكون القتل مرادفاً لمعنى حماية النفس والمهمة العسكرية المكلف بها، ليس هناك وقت للبحث عن الخطأ من أجل تصحيحه.


حينما عبرا السدة الترابية ودخلت الشاحنة على الطريق العام في مدينة سامراء من جهة دار الاستراحة وأصبحوا على اليابسة، شعر مروان وزيدون بارتياح شديد لأنها العقبة الكبرى في الطريق بكامله، إذن دخلا مدينتهما التي كانت في هذا الوقت تغط في سبات عميق إلا القلة من شبانها الذين حملوا فوق أكتافهم قاذفات RPG7 والقنابل اليدوية وحملوا أرواحهم على أكفهم في مواجهة الاحتلال الغاشم بالإيمان وبالأسلحة الخفيفة، قبل الاحتلال كانت سامراء تفيض حيوية ونشاطات تجارية لتسويق محاصيلها الزراعية على مدار العام، ولا يغلق آخر مقهى في المدينة أبوابه ألا قبل الفجر بقليل استعدادا للصلاة، هذه المدينة التي ظلت حاضرة الإمبراطورية العربية الإسلامية لعدة عقود من أيام ازدهارها وأصبح مئذنتها الملوية مقصدا للسياح للتمتع برؤية أجمل مئذنة في العالم، تحولت إلى أرض محتلة يعبث بها الغزاة ويروعون أهلها بحجج وذرائع متهافتة، عادة ما يختلقها القتلة المحترفون لتبرير جرائمهم.
ظلت سامراء مدينة محافظة على وشائج نادرة من الألفة والمحبة والتعاضد والتضامن بين أهلها ونموذجا لإكرام الضيف، ها هي اليوم وتحت الاحتلال وبسبب الحزن على من فقدتهم من أبنائها وخيرة شبابها، وبسبب من عسف وعنت تعرضت لهما على أيدي جنود القوات الأمريكية الباغية، باتت اليوم طرقاً مهجورة وبيوتاً تترقب في كل ساعة صدمة جديدة من دهم أو وصول جثمان عزيز قضى وهو في بداية الطريق، ولكن العزاء في كل ذلك أن عدد جنود الاحتلال الذين قتلوا فيها يصل عدة أضعاف لأبنائها الذين استشهدوا دفاعا عن العراق الوطن والأرض والعرض والشرف والحضارة، ولذا كان حقد الجنود الأمريكان عليها بحجم ما فقدوه في طرقاتها من أرواح ومعدات وكرامة.
لم يبق ألا ثلاث دقائق ونكون في المنزل قال مروان لزيدون، اليوم اقض ليلتك عندنا واتصل بعمي وأخبره بأنك ستبيت عندنا، تمتم زيدون بكلمات مبهمة لم تصل إلى أذني مروان بسبب صوت محرك السيارة وانشغال البال بالظرف الراهن والمثير لكل أسباب القلق، ولكن وعلى مقربة من معمل الأدوية الذي احتفظ بكل مكوناته على الرغم من كل عمليات السلب والنهب التي تعرضت لها الممتلكات العامة في كل أنحاء العراق بعد الاحتلال، وبتحريض من المحتلين ومن مترجمين وأدلاّء كويتيين في توجه انتقامي من العراق لم يكن متاحا لهم التعبير عنه فجاء الاحتلال ليمنحهم هذه الفرصة، استمر معمل الأدوية في سامراء بالعمل ولم تمتد إليه يد آثمة ليواصل عطاءه في مواجهة كل أسباب الموت.
وفجأة ومن دون مقدمات قفز من المجهول عدة أشباح وانتصبت أمام مروان وزيدون، ترجّل عدد من الجنود الأمريكيين من آلياتهم الثلاث والتي كانت من نوع برادلي ويحملون أسلحتهم الأوتوماتيكية والمشرّعة باتجاه الآخر أيا كان عمره أو جنسه، من أين خرج هؤلاء؟ هل انشقت الأرض عنهم على حين غرة، استوقفوا شاحنة مروان وزيدون وأنزلوهما منها، بدأت الرحلة الثانية من العذاب والتفتيش وترافقت مع سيل من الأسئلة الغامضة والتي تشي بكثير من نوايا السوء التي يستبطنها جنود الولايات المتحدة حيثما حطت مراكبهم، إذ لا مترجم عندهم ولا أحد منهم من يجيد العربية ولو بصورة مكسرة من هؤلاء الجنود، ولا مروان وزيدون يجيدان الإنكليزية ولو بحدودها الدنيا، هذه سلطة من يظن نفسه قويا أو أن القوة ستبقى بيده إلى الأبد، ولهذا كان سلوك الجنود مزيجا من الخوف من المجهول والوحشية والقسوة وتعمد إذلال العراقيين وإهانتهم، بعد أن انتهت عملية تفتيش دقيقة جدا للشاحنة من الداخل والخارج والمحرك، أبلغ الجنود مروان وزيدون بالذهاب في حال سبيلهما، حمدا لله انطلقت العبارة من تلقاء نفسها ومنهما معا وفي وقت واحد، فمن يمر عند نقطة كهذه فهو مدان إلى أن تثبت براءته، ولم يكملا عباراتهما إلا وكانت المدرعة تلحق بهما وتوقفهما مرة أخرى، نزل منها عدد من الجنود، ثلاثة …. ثلاثمائة، قد يمر بخاطر من في مثل هذه الحال أن الأمور هي هكذا، كان الجنود يشهرون بنادقهم نحو مروان وزيدون الأعزلين، بنادق آلية سريعة الطلقات، ويعتمرون عدة القتال الكاملة، خوذهم الفولاذية تترنح فوق رؤوسهم، والسترات الواقية من الرصاص ملتصقة على صدورهم، وفوق المدرعة بقي جندي يوجه رشاشته المتوسطة نحو كل شيء يتحرك، الحذر حينما يصبح فوق حدّه يتحول إلى خوف، يشل قدرا كبيرا من التفكير، والخوف حينما يتجاوز حدّه يتحول إلى لباس جبن لا يرتديه الرجال، (انزلوا فورا، أو هكذا التقت الإشارة مع الكلمات المتدفقة من فم الرقيب الأسود الوجه والقلب)، ترجلا من الشاحنة وسرت نوبة جديدة من قلق أكبر، إنه قلق مشروع في زمن رخصت فيه قيمة الإنسان العراقي وحياته فكل شيء يؤكد ذلك في سامراء وغيرها من مدن العراق، أغلق الجندي الشاحنة وألقى بمفاتيحها لمروان وقال له ستبقى الشاحنة هنا، وأمر الجنود راكبيها بالوقوف جانبا، وأخرج جندي حبالا وقطع قماش، وتم ربط أيديهما وعصب عيونهما بشكل محكم، وتم دفعهما بقوة إلى داخل عربة عسكرية أخرى كانت متوقفة على مقربة من مسرح الحادث، ومضت في طريق مجهول.
هل هناك متسع من الوقت للوم النفس أو الغير حتى إذا كان من دون صوت أو بأثر رجعي؟ وهل أخطأنا حينما رفضنا عرض جندي الحرس الوطني في سيطرة السد بالمبيت الليلة عند نقطة السيطرة؟ وماذا سينفع الندم بعد الآن؟ هل يعيد ندم الدنيا كله عجلة الزمن ربع ساعة فقط إلى الوراء؟ وأهم من هذه الهواجس والأسئلة كلها، إلى أين يذهب بنا هؤلاء القتلة وماذا تراهم فاعلون بنا؟ كانت الأسئلة تتسابق تتساقط تباعا حتى من دون الرغبة في الحصول على جواب صامت من الداخل أو صاخب من الخارج، فلا فرق بعد الآن فنحن بيد عدونا الذي احتل بلدنا وجرائمه ملأت بلادنا خرابا ودما وجثثا، ولسنا استثناء عن أبناء بلدنا.

د. نزار السامرائي

عميد الاسرى العراقيين

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى