الحروب الإقليمية واستراتيجيات الدول الكبرى

هل وقع رجب طيب أردوغان في خطأ حساباته؟ وهل استعجل عام 2023 ليتصرف مفترضا أن يده أصبحت طليقة من التزامات تركيا بموجب اتفاقية لوزان لعام 1923؟ فراح يتصرف مع دول المنطقة وتجاه الالتزامات المفروضة على بلاده بموجب الاتفاقية المذكورة وكأنها وُضعت في متحف التاريخ السياسي وأن تركيا استردت كل حقوقها التي سلبتها إياها اتفاقية لوزان.
بل هل وقع أسير وهم القوة العسكرية التي افترض أن تركيا امتلكتها لمجرد أنه أحدث نقلة في الاقتصاد التركي وحول اقتصاد بلاده إلى المركز الثاني عشر دوليا وسدد ديون صندوق النقد الدولي أو بدأت بلاده بتصنيع الأسلحة محليا؟ ففتح أكثر من جبهة مما أدى إلى اصطفاف أعدائه ضده وهم كُثر؟ على الرغم من أنه يعي أن بلاده تعرضت لهزة اقتصادية عندما فرضت عليها الولايات المتحدة عقوبات ربما من دون قيمة.
ما هي الحكمة من الانخراط في النزاع الليبي؟ وتوسيع دائرة التدخل التركي المثير لتساؤلات مشروعة، ثم ترافق مع رفع شعارات فيها اسقاطات تاريخية لذلك التدخل قابلة للتأويل السياسي، مثل وجود جالية تركية هناك أو أن ليبيا جزء من أرث الدولة العثمانية؟ في وقت يتحين خصوم تركيا الفرصة لتشتيت قوة الدولة التركية التي بدأت لتوها باسترداد دورها الإقليمي مستندة على اقتصاد قوي لم تستكمل حلقاته كلها؟
وهل كان يجب في إدخال تركيا في نزاع مع أوربا التي تدعم اليونان لأسباب عديدة تعرفها تركيا جيدا، سواء فيما يتعلق بالقضية القبرصية أو بموضوع التنقيب عن النفط والغاز في مناطق لم يتم حسم عائديتها شرقي المتوسط، بسبب تداخل الحدود البحرية والجرف القاري والمناطق الاقتصادية بين دول كثيرة ترى أن دخول أطراف جديدة على خط استثمار الطاقة يعد تخطيا لمصالح كرستها الحدود الجديدة لدول نشأت مع نشوء النظام الدولي اللاحق للحرب الثانية أو انهيار الاتحاد السوفيتي، فالطاقة هي المصدر الرئيس لكل ما شهده العالم في القرن الماضي من نزاعات سياسية وحروب ساخنة ليس بين الدول المالكة لتلك الثروة والدول الاستعمارية فقط، بل بين الدول الاستعمارية نفسها لتوسيع سيطرتها على ثروات الدول الفقيرة والممرات المائية الاستراتيجية.
إن الحروب السياسية في عصرنا الراهن وما يتبعها من تداعيات اقتصادية، باتت ذات تأثيرات على الأرض لا تختلف كثيرا عن الحروب العسكرية بل تتفوق عليها في كثير من الأحيان، وربما تتعداها من حيث الآثار الاجتماعية، ذلك أن الحرب العسكرية لا يمكن كسبها مهما كان الجيش قويا ومجهزا ومدربا، ما لم تستند على اقتصاد متين، ولهذا هناك تفّهم بدرجات متفاوتة لرغبة تركيا في تنويع مصادر دخلها وخاصة من الطاقة التي صارت عامل استنزاف لمداخيل الدول الراغبة في تحقيق نمو متوازن.
كما أنه من الحقائق المعروفة لدى المخططين الاستراتيجيين أن الحروب لا تقبل فتح جبهتين في وقت واحد وإلا عُدّ ذلك انتحارا عسكريا وتتساوى في ذلك الدول الكبرى التي تمتلك جيوشا جبارة وآلة عسكرية حديثة مع الدول الصغيرة، وهذا الأمر ينطبق بدرجة واحدة على المعارك السياسية والاقتصادية والعسكرية، فالدول الفاعلة والناجحة في علاقاتها الخارجية هي تلك التي حيّدت أكبر عدد من أعدائها وكسبت ودّ الأطراف المحايدة وعمقّت علاقة الصداقة مع أصدقائها، على هذا فإن توسيع تركيا لطموحاتها السياسية والعسكرية والاقتصادية وخروجها عن الخطوط الحمر التي كان يجب أن تضعها لنفسها أو تلك التي وضعتها لها الدول الأخرى، ومن ثم الاتجاه نحو الغرب وصولا إلى ليبيا، يعد بكل المقاييس تشتيتا لإمكانات تركيا العسكرية وضغطا هائلا على مواردها الاقتصادية قبل أن تنهض من رقدتها الاقتصادية الطويلة، هذا فضلاً عن أن التصرف التركي أثار قلقا من الطارئ الجديد على المنطقة والذي دخلها من دون استئذان، ربما يكون مبالغا فيه لأسباب سياسية، ولكنه يبقى في نطاق العلاقات الإقليمية قلقا مبررا، لا سيما وأن الغرب يرى أن تركيا آخذة بالزحف نحو جنوب أوربا مع كل ما يمثله ذلك من تهديد لأمن البحر الأبيض المتوسط وخاصة بتنشيط الهجرة غير المشروعة.
فإلى أي مدى نجح أردوغان في تحقيق طموحات تركيا الجديدة، سواء عندما كان رئيسا للوزراء من عام 2003 وحتى عام 2014 أو بعد تغيير نظام الحكم في تركيا إلى النظام الرئاسي عام 2014 وحتى اليوم؟
تاريخيا من المعروف أن تركيا انضمت إلى حلف شمالي الأطلسي عام 1952 أي بعد ثلاث سنوات من تأسيسه، لتكرس بذلك سياسة التغريب عن الإسلام التي كان أتاتورك قد بدأها منذ وصوله لحكم تركيا عام 1923، ثم تطور الثقل العسكري في التحالف الغربي ليكون ثاني أكبر جيش بعد الجيش الأمريكي في الحلف.
ولكن السياسة التركية بدأت تشهد تململا ونزوعا في الرغبة في الابتعاد التدريجي عن تحالفاتها السابقة، لا سيما عندما بدأت درجة الميل التركي عن التحالف مع الولايات تأخذ بعدا جديا عندما راهنت على علاقات قلقة مع جارها الشمالي الأكبر والأكثر تطورا عسكريا وتكنولوجيا وربما الأكثر خطرا لأنه الأقدر منها حضورا في ميدان العلاقات الدولية، وخاصة فيما يتعلق بفتح أبواب التعاون بين موسكو وأنقرة على مصراعيه في مختلف الميادين، وخاصة بعد اسقاط الطائرة الروسية سوخوي 24 في 24/11/2015 وتحميل روسيا لتركيا مسؤولية الحادث، وخذلان الولايات المتحدة والتحالف الغربي لتركيا، مما وضع العلاقة مع روسيا على حافة احتمالات لا يمكن التكهن بنتائجها، وهو ما دفع بالرئيس أردوغان إلى زيارة موسكو وتقديم اعتذار رسمي عن الحادث ثم لتشهد علاقات البلدين انفراجا واضحا تشعبت صفحاته، وأراد الرئيس بوتين ممارسة أقصى درجات الابتزاز الروسي للولايات المتحدة، وهنا وجدت تركيا نفسها زبونا مرغوبا فيه من جانب واشنطن التي لا تريد ذهاب أنقرة أبعد مما حصل كي لا ينفرط عقد حلف شمالي الأطلسي، في حين تسعى موسكو لزرع أزمة حقيقية في العلاقات الأمريكية التركية كي لا تعود أنقرة لممارسة دورها القديم أثناء الحرب الباردة، وحاول أردوغان استثمار هذه المكانة لبلاده ولكنه لم يحسن الإمساك بكل خيوط اللعبة.
هل من الحكمة التفريط بالعلاقات التقليدية القديمة مع حليف تقليدي قوي عسكريا واقتصاديا وبعيد جغرافيا وإن كانت سرعة المواصلات في وقتنا الراهن قد ألغت قيمة هذا العامل، لكن العلاقات بين أمريكا وتركيا لم تشهد حروبا عسكرية في خنادق متقابلة، فهل يمكن افتراض إقدام بلد للتفريط بعلاقات صداقة تقليدية ثم التقرب إلى عدو تقليدي عاشت علاقاتهما أكثر من ثلاث عشرة حربا كانت الغلبة في معظمها لدولة القياصرة؟ ولكن علي أن استدرك فأقول أيضا إن من الحكمة إزالة عوامل التوتر بين أي بلدين متجاورين مهما كانت درجة استعصاء المشاكل على الحل شرط احترام الحقوق التاريخية لكل دولة، لكن علينا التفريق بين إزالة أسباب التوتر، والانخراط في تحالفات محفوفة بمخاطر المستقبل.
لكن خيارات تركيا أخذت مناحي متعرجة بعد محاولة الانقلاب العسكري الذي أوشك أن يطيح بأردوغان في 15/7/2016 لولا نزول الشعب التركي إلى الشارع وإفشال المحاولة، وبدأت الحرارة تدّب في العلاقات الروسية التركية واتسع نطاقها حتى في المجال العسكري، فحرص أردوغان على الحصول على صواريخ S.400 الروسية ردا على رفض إدارة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما تزويد تركيا بمنظومة صواريخ باتريوت، وهي الخطوة التي أثارت غضبا لدى إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب والذي مارس ضغوطا مختلفة لثني أردوغان عن تلك الصفقة والتي تثير مخاوف أمريكية وأطلسية بأنها ستعرض أمن التحالف الغربي إلى مخاطر الاختراق الروسي ولكن أردوغان سدّ أذنيه عن تلك التحذيرات.
ربما ترتبط هواجس أردوغان من السياسة الأمريكية، بمحاولة الانقلاب آنفة الذكر، وما أعقبها من تصاعد حدة الجدل بين البلدين بشأن وجود غولن في الولايات المتحدة ورفض القضاء الأمريكي تسليمه لبلده، وترددت تكهنات بشأن دور غامض لقاعدة أنجرليك في جنوب تركيا والتي ربما أمّنت للانقلابين مساعدة لا تريد الحكومة التركية الافصاح عن طبيعتها حفاظا على ما بقي من الود بين البلدين، لكن تلك الهواجس انعكست على شكل تصريحات علنية لأردوغان عن رغبة بلاده في إعادة رسم خارطة الوجود الأمريكي فوق الأراضي التركية، وفيما لو جمع هذا الموقف مع صفقة صواريخ S.400، فإننا سنكون بإزاء تهديد تركي بالتحول نحو روسيا بدلا من الولايات المتحدة، ليس في الصواريخ فقط وإنما في الطائرات خاصة بعد ألغت إدارة ترمب صفقة طائرات F35، بحيث بدا وكأن المنطقة بدأت برسم خارطة التحالفات الاستراتيجية والانتقال من معسكر إلى المعسكر المضاد.
فماذا نريد لتركيا؟
وجهة نظري التي يشاركني فيها كثيرون، أنني كنت ارى، ووفقا لمبدأ التوازن بين القوى الدولية والإقليمية، أن تكون تركيا عنصر توازن للردع الإقليمي مع إيران وخاصة بعد أن أُخرج العراق من معادلة التوازن الإقليمي، بدلا من مواصلة المناكفة التركية للولايات المتحدة في خرق العقوبات الاقتصادية الأمريكية على إيران، وربما اتهمت غير مرة بأنها تحايلت على تلك العقوبات عبر وسطاء مقربين من أردوغان شخصيا، ولتواصل تركيا بذلك السياسة التي بدأها أردوغان منذ وصوله إلى رئاسة الحكومة عام 2003 ومن ثم عندما أصبح رئيسا للجمهورية بعد التغيير الدستوري.
إن طبيعة الأشياء تفرض على الدول التي تعيش تاريخا متصلا من العداء والحروب، كما كان سائدا بين الدولتين العثمانية والصفوية، تدفع إلى افتراض أن تختار تركيا الانضمام إلى أي حلف مضاد لإيران أو على الأقل عدم التحول إلى جدار يحمي إيران من الضغوط الدولية سواء ما يتعلق بدورها في دعم الإرهاب والمنظمات التي باتت تشكل خطرا على الداخل التركي نفسه أو في توسيع تدخلاتها في معظم دول الإقليم، مما يستدعي حذرا تركياً من الطوق الإيراني الذي يلتف حولها، أو في دعمها النشيط لمليشيات تقاتل على كل الاتجاهات وفقا للأجندة الإيرانية، ولن تقف إيران أمام التزامات أخلاقية أو قانونية بعدم فتح جبهة لتركيا إذا ما رأت أن النفوذ التركي ينافسها في منطقة ما.
إن الخطر الإيراني المغلف بسياسة باطنية تعتمد مبدأ التقية في سلوكها السياسي والديني، بدأ يطرق بشدة على أبواب تركيا الخارجية من الجنوب الشرقي حيث حدودها مع إيران نفسها، ومن حدودها مع العراق حيث تحول العراق إلى حديقة خلفية لدولة الفقيه يأتمر بأمرها وعلى استعداد لخوض حروبها، وها هي صارت على حدودها مع سوريا، هذا إضافة إلى التحريض الطائفي الذي تواصله إيران ضد تركيا داخليا بهدف إشغالها بملف جديد وهو الملف العلوي ليضاف إلى الملف العرقي في جنوب شرقي تركيا، أي القضية الكردية، نعم يمكن أن تتوقف إيران عن اللعب بهذه الملفات مؤقتا، ولكن هدفها النهائي إضعاف دول الجوار كلها من أجل التحكم بسياساتها من جهة والثأر من هزائم الصفويين في معاركهم مع الدولة العثمانية وخاصة معركة جالديران الفاصلة.

د. نزار السامرائي

عميد الاسرى العراقيين

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى