انتفاضة الشعب العراقي وحماقة الزعامة الإيرانية

لا بد أن مراقب المشهد العراقي بعد الأول من تشرين الأول/ أكتوبر تأخذه حيرة مستحكمة جراء أسلوب التعامل الإيراني مع أحداث العراق المفصلية تلك، والتي أشغلت الدول حكومات ومراكز دراسات وأجهزة إعلام، فإيران تصرفت بطريقة تدفع المراقب المستقل ليحكم عليها بأنها غبية إلى حدود لا يمكن تصورها، أو أنها مصرّة على عدم استعدادها لإعادة حساباتها التي كان يجب عليها أن تجريها على الأقل منذ أحداث البصرة عام 2017 بشأن وجودها في العراق وطريقة إدارة الحكم فيه، فإحراق القنصلية الإيرانية في البصرة وهي المدينة التي ظلت طهران تتعامل معها باعتبارها أكبر خزان بشري يدين لها ولولاية الفقيه بالولاء المطلق والثابت، كان يجب أن يبعث برسالة ذات مضمون جدير بالدراسة والبحث والتأمل من قبل القيادة الدينية والسياسية الإيرانية، وكذلك مراكز الدراسات والمخابرات الإيرانية، واستخلاص الدروس منها، ذلك أن الزعامة الإيرانية اعتمدت على مسلّمات جامدة لا تقبل التأويل بشأن ولاء الشارع العراقي المطلق للولي الفقيه، مستندة في ذلك على وهمٍ كوَنته من خلال ما كانت ما تسمى بقوى معارضة نظام الحكم الوطني منذ أيام الشاه أو بعد وصول خميني إلى السلطة في 11 شباط 1979، والتي حصلت على دعم سياسي وعسكري وتمويلي كامل من إيران، كما فعلت تلك الجهات عندما خدعت الولايات المتحدة وصوّرت لها أن الشعب العراقي سيستقبل جيوش الغزو بالأحضان وباقات الزهور والقرابين التي ستنحر تحت دباباتها، وكما وقعت الولايات المتحدة في فخ خطيئتها الكبرى عندما صدّقت عملاء المخابرات المركزية من العملاء العراقيين، فدفعت ثمنا باهظا لقرارها الغبي في غزو العراق، وقعت إيران في المستنقع نفسه، فراح بعض زعمائها المعممين يطلقون تصريحاتهم الساذجة عن عائدية العراق لإيران تارة أو أن أربع عواصم عربية صارت تحت النفوذ الإيراني في مقدمتها بغداد وربما استندوا في ذلك إلى عدة أمور أولها أن طهران بقيت مطمئنة البال أمنياً في العراق فترة طويلة، أو أن وجودها المدعوم بقوة البطش الذي مارسته المليشيات الموالية لها أو الذي يمكن أن تشكّله مستقبلا على كل صوت معارض لها أعطاها شيئا من الطمأنينة الزائفة، وأخيرا أنها كانت تتحرك ضمن دائرة الرصد الأمريكي ولا تجد معارضة أمريكية جادة لتجذير وجودها في العراق على الرغم من كل ادعاءات العداء بينهما.
وتابعت دولة الولي الفقيه حماقة حساباتها التي بنتها أيضا على فرضية أن العراقيين سيخضعون لمنطق القوة الغاشمة التي تفرضها أجهزة قمع تابعة للحرس الثوري وجناحه المتخصص في العمليات الخارجية “فيلق القدس” وأقامت إيران كل حساباتها على مبدأ القياس السياسي الذي ترفضه في الفقه، واعتبرت أنها قادرة على استنساخ أسلوبها الدموي مع العراقيين كما تفعله مع الإيرانيين، ناسية أو متجاهلة أن العراقيين شعب لا يمكن أن يخدر بشعارات طائفية ولا يمكن إشغاله بممارسات ألبستها قدسية زائفة، ولكنه عندما يصل الضغط منتهاه فلن يقف في وجهه حاجز أو قمع أمني ومهما تعددت أشكال قسوته.
لقد ذهبت الزعامة الإيرانية التي خرجت من مجاهل القرون الوسطى لتجد نفسها تحكم بلدا غنيا بثرواته الطبيعية، وبدلا من توظيفها لبناء إيران على أسس مختلفة عن الركائز الاقتصادية التي أقامها نظام الشاه الذي انقلبت عليه جموع الشعوب الإيرانية، فإنها راحت تدرس أفضل الوسائل لإقامة ركائز ومواضع أقدام للنظرية التي ابتدعها خميني داخل المذهب الجعفري الاثني عشري في فرض الطاعة قسريا على شعب متعدد الأعراق والمذاهب وغير قابل للصهر في سبيكة غير متجانسة، وبدلا من أن يكسب الجمهور إلى جانب نظريته الجديدة مارس نظامه أقصى درجات الضغط على كبار المعممين الشيعة داخل إيران وخارجها، وتم تغييب الكثير منهم لعل أبرزهم أية الله العظمى كاظم شريعة مداري وهو الذي منح خميني درجة الاجتهاد المفترض، والحصول على لقب آية الله، فجازاه بهذا الجحود اللافت وهو الذي طبع سلوكه مع جميع معارضيه الآخرين وخاصة حسين علي منتظري الذي كتب سلسلة المقالات التي رد فيها على علي خامنئي عندما كان رئيسا للجمهورية وخطيبا لجمعة طهران، فارتكب الخطأ الذي كاد أن يطيح به عندما قال إن ولاية الفقيه ولاية مقيدة وليست مطلقة، وعشرات آخرين ممن هم أقل منهم رتبة في تسلسل الدرجات الدينية، وعند ذاك راح خميني يوجه بوصلة حركته السياسية نحو الشباب الذين ضخ إليهم كماً هائلاً مما ظن أنه قادر على تخديرهم وتحريكهم بمغناطيسية عمياء، واستخدم أموال إيران في مغامرات إرهابية ليحقق جملة أهداف في مقدمتها إبعاد الحرب عن الساحة الإيرانية، ثم ليجعل من إيران رقما في معادلة التوازنات السياسية والأمنية الإقليمية والدولية وفي كل الاتصالات الجارية بشأن مشاكلها وتأكيد النفوذ الإيراني في دول المنطقة.
وفي العراق الذي يزخر بموروث حضاري غير قابل للإزاحة وبخزين هائل من الثروات الطبيعية والقابلة للتصنيع اعتمادا على طاقة بشرية خلاقة ومبدعة حاولت إيران إحكام سيطرتها على السلطة وأجهزتها السياسية والأمنية، ففرضت عليه خيارات اقتصادية الهدف منها تحويل أموال العراق وبمليارات الدولارات إلى إيران عبر طرق ملتوية، ومن أجل أن يتم ذلك بسلاسة ومن دون عراقيل شجعت عملاءها على سرقة المال العام ومن مستويات مختلفة، بل ووفرت لهم المظلة الشرعية والفتوى اللازمة فتحول كثير منهم في غضون سنوات معدودات من الفقر المدقع إلى قائمة كبار أثرياء العالم، ومن أجل فرض رقابة صارمة على سلوك الحكام الذين ما كان لهم أن يصلوا إلى مواقعهم بمن فيهم رئيس ديوان الوقف السني وممثلو السنة في السلطات الثلاث، ما لم يبارك لهم خامنئي تلك الوظائف، عينت إيران قاسم سليماني مندوبا ساميا لها في العراق ليحصي على الجميع حركاتهم وسكناتهم بل راح يتحكم حتى في أوقات نومهم، ثم جاءت بمساعده مسجدي سفيرا لها في نطاق تغطيتها على دور فيلق القدس في العراق إذا ما اقتضت الضرورة السياسية والدبلوماسية ذلك، وتعاملت مع من نصبّتهم بمواقع قيادية باستخفاف واذلال لأنها صاحبة الفضل عليهم فهي التي جاءت بهم من المجهول وجعلت منهم رؤساء وزارات ووزراء ونوابا وموظفين كبارا، ولكنها كانت تتعامل معهم بمنتهى الاحتقار.
لقد مارست إيران عبر فيلق القدس أعلى درجات الإرهاب ضد مكونات الشعب العراقي من دون تمييز بل ومارست إرهابا متنقلا بين المكونات لإثارة الفتنة الطائفية والعرقية، وحققت نجاحات ملموسة في هذا المجال ولم يكن ممكنا إثبات دورها في تفجير السيارات المفخخة في مناطق منتقاة وكذلك الاغتيالات والاعتقال والتعذيب في مناطق أخرى، كي يلقي كل طرف بالمسؤولية على الطرف الآخر وتستعر الفتنة الطائفية، نعم كانت هناك أدلة عقلية على تلك الجرائم ولكن بطش أجهزة القمع كانت تحجب الوثائق عن أجهزة الرصد.
ثم جاءت المفاجأة الكبيرة أي انتفاضة تشرين الأول 2019 وتعززت في الخامس والعشرين منه والتي أسقطت كثيرا من المقدسات التي سبقتها، وكانت شعارات (إيران برة بغداد تبقى حرة) هي اللازمة التي التقت عندها أصوات الجماهير العراقية في محافظات الوسط وجنوب العراق، ولعل أسوأ ضربة تعرضت لها إيران منذ عام 2003 كانت إحراق القنصلية الإيرانية في كربلاء وإغلاقها بشعار (مغلقة بأمر الشعب)، ومع كل ذلك واصلت خياراتها الأمنية في التعامل مع العراقيين عن طريق المندوب السامي الإيراني قاسم سليماني والمليشيات الإرهابية الموالية لها وتركت خلفها الأبواب مؤصدة أمام أي منطق للتراجع عن خيار حافة الهاوية وفرض الهيمنة على العراق والتوسع في دول المنطقة تحقيقا لنص دستوري يكرس مبدأ تصدير الثورة مع كل ما يحمله من نوازع شر تجاه دول المنطقة.
رب قائل يقول إن ما حصل في الانتفاضة وكذلك التي سبقتها بأكثر من عام وخاصة في البصرة، كان ناجما عن حالة انفعال رافقتها سَورة غضب عامة انفلتت فيها مشاعر الجماهير فراحت تتصرف من دون كونترول يتحكم في سلوكها، نحن لا ننفي احتمال ذلك وخاصة في الأيام الأولى ولكن ماذا يقول من يراقب الانتفاضة بعد مرور زمن طويل على انطلاقتها؟
ومع ذلك نقول إن الغضب والانفعال هما الأقدر على التعبير عن المشاعر الحقيقية للأفراد والجماعات تجاه القضايا المصيرية، فالعراقيون عبروا عن مشاعرهم الكامنة خير تعبير في هذه الانتفاضة التي جسدت رأي العراق جميعا حتى إذا تخلف عنها من تخلف.

د. نزار السامرائي

عميد الاسرى العراقيين

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى