(مفهوم …الدولة الفاشلة … الدولة المارقة …الدولة المنبوذة)
- مفهوم الدولة الفاشلة :
أ. بدأ هذا المفهوم بالظهور منذ بداية الثمانينيات وطرح سياسيا في أوائل التسعينيات في خطاب مندوبة الولايات المتحدة الأميركية في الأمم المتحدة في عهد الرئيس بل كلينتون لحشد الجهود الدولية لمساعدة الصومال .
واستخدم في السابق مصطلحات مشابهة للدولة الفاشلة مثل: الدولة المنهارة ، الدولة الهشة، الدولة الرخوة ، الدولة المأزومة والدولة الضعيفة .
وبعد أحداث 11 أيلول 2001 ازداد الاهتمام العالمي بمخاطر الدول الفاشلة حيث اعتبرت الدول الفاشلة منطلقا لتصدير المخاطر مثل ( الإرهاب الدولي وتجارة المخدرات ، الأسلحة غير الشرعية اللاجئين والمهاجرين غير الشرعيين … إلى آخره. ) إلى دول العالم الأخرى.
وقد تبنت مؤسسات دولية وضع تعاريف ومعايير للفشل ومن هذه المعايير مؤشرات البنك الدولي لقياس الدول الهشة ومنها محركات هشاشة الدولة الخاصة بمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) ومنها مؤشر الدولة الفاشلة (failed state) الصادر عن مؤسسة صندوق السلام وتعريفها هو الأكثر استخداما وهو ( فقدان الحكومة المركزية سيطرتها على إقليم أو أقاليم من أراضيها أو فقدان الدولة حقها السيادي في احتكار قوتها بشكل شرعي ) مما يعرضها للاضطرابات وحركات العصيان المدني فتصبح الدولة عاجزة عن تقديم الخدمات المجتمعية فتصبح الدولة فاشلة عندما تكون سيادتها مقيدة بسبب تعرضها لعقوبات اقتصادية وسياسية وعسكرية أو وجود قوات أجنبية على أراضيها ومنها عدم قدرة الدولة أو رغبتها في حماية المواطنين أو تعاني عجزا ديمقراطيا يجرد مؤسساتها الحكومية من جوهرها الحقيقي أو لا تستطيع القيام بوظائفها الأساسية ولا تستطيع الوفاء باحتياجات أفراد شعبها الأساسية بشكل مستمر مما يؤدي على المدى الطويل إلى حالة من عدم الاستقرار ومن أخطر المراحل أن تفقد الدولة سيادتها على اقليم أو أكثر من أراضيها إذ تعتبر السيادة هي العنصر الثالث المكون للدولة والتي تكفل للسلطة السياسية ممارسة دورها ضمن حدود الإقليم لتحافظ على النظام العام بعيدا” من التدخلات الخارجية وعند ذلك أي عند فقدان السيطرة تكون الدولة قد وصلت إلى أسوأ مرحلة الفشل ويفتح المجال أمام التدخل الخارجي المباشر .
ب. أما المعايير التي وضعها صندوق السلام فتشمل على طيف من عدة محاور مؤشرات اجتماعية واقتصادية وسياسية وأمنية وكمايلي :-
أولا. المؤشرات الاجتماعية وتشمل: الضغوط الديموغرافية المتزايدة ، هجرة السكان أو نزوحهم في الداخل من منطقة الى اخرى او الحركة الكبيرة للنازحين ، تنامي عدد المجموعات التي تسعى الى الانتقام من مجموعات اخرى ، المشكلات الحزبية والعرقية الفقر والبطالة والجريمة والمخدرات والسرقة وتنامي الهجرة المزمنة والطوعية بما في ذلك هجرة الأدمغة
ثانيا . المؤشرات الاقتصادية وتشمل : التنمية الاقتصادية غير المتكافئة ما بين المجموعات التي تنتمي إلى البلد الواحد ( الإنماء غير المتوازن ) والتدهور الاقتصادي الحاد ( اختلالات بنيوية ركود في الدورة الاقتصادية وانهيار قيمة النقد الوطني )
ثالثا. المؤشرات السياسية وتشمل : تراجع مساحة الشرعية في النظام السياسي القائم فقدان الثقة بالدولة ومؤسساتها تراجع وظيفة الدولة لجهة تقديم الخدمات العامة إساءة استخدام السلطة وزيادة التدخل الخارجي في شؤون الدولة الداخلية زيادة الشقاق الحزبي والصراعات بين النخب الحاكمة .
رابعا . المؤشرات الأمنية وتشمل : انتهاكات حقوق الإنسان ضعف السلطة الأمنية وبروز قوى أمنية غير نظامية .
وفي حقيقة الأمر فإن مفهوم الدولة الفاشلة من أخطر المفاهيم الجيوستراتيجية في عصرنا الحالي إذ بسبب اتساعة وهلاميته يصبح من السهل جدا اتهام الدول بالفشل من دون وجود وقائع أو حقائق وبالتالي فإن هذا التوصيف المطاطي يجعل المفهوم ممتدا وغير منضبط ويتسع لكثير من التأويل لاعتبار دولة ما بأنها فاشلة ويخدم سياسات دول قوية تسعى إلى التدخل في شؤون دول أخرى.
ج. الدول تفشل في كثير من الأحيان من جراء أسباب خارجية مستغلة مشاكل داخلية عن طريق إذكاء الصراعات الاثنية أو الطائفية أو المذهبية أو غيرها كما هو حاصل في الوقت الحاضر في منطقتنا العربية وبهذا يتم إضعاف أنظمة الحكم في هذه الدول لسلب إرادتها السيادية ليسهل التدخل في شؤونها وفرض الشروط عبر الإكراه وبالتالي إعلانها دولا فاشلة وهنا تبرز الأهداف غير البريئة ليتم النفاذ منها لوصف الدولة بالفشل وتتعاظم عوامل الفشل إما بسبب انخراط الدولة في صراع لفترات طويلة أو لقصور بنيوي في مؤسساتها لظروف تاريخية وجغرافية وديموغرافية … إلى آخره. أو لمواجهة أزمة حادة ومفاجئة ،
وفي حال تحول دولة إلى دولة فاشلة فإن الخروج من وضع غير ممكن من دون تدخلات خارجية مكثفة وهذا ما يتيح للمؤسسات الدولية والدول الكبرى وضع قيود على الدول الفاشلة أو التي في طور الفشل لتسلبها حقوقا سيادية وتفقدها السيطرة على قرارها الوطني. ومن الملفت للنظر أن الأمم المتحدة أنشأت ما عرف بمبداء ( مسؤولية الحماية) الذي يسمح بالتدخل في الحالات التي تكون فيها الدولة الفاشلة غير قادرة على تجنب شعبها المعاناة إلى حد كبير وكونة لا يوجد تحديدللدولة الفاشلة معترف به دوليا أتاح هذا الوضع للدول القوية تكييف مسؤولية الحماية بحسب مصالحها علما بأنه لا يوجد تحديد شامل لمكونات الدولة الفاشلة على صعيد القانون الدولي.
د. يعتبر نشر الفوضى استغلالا لمسببات فشل الدولة من أقوى الوسائل في زعزعة الاستقرار التي يتم تنفيذها بأيد المواطنين أنفسهم وبأيد الحكومات ذاتها وفي غياب الوعي الوطني العام وانتفاء حكمة القائمين على السلطة وصولا إلى وسم الدولة بالفشل والأسوأ أن يصبح جزء معتبر من الدولة غير خاضع لسلطتها وهنا يفتح الباب واسعا للتدخل الخارجي تمهيدا للسيطرة على الدولة ودائما ما تحافظ الدول المتدخلة في الدول الفاشلة على منع تلاشي كيان الدولة بشكل نهائي إذ يجب الا تزول المؤسسات الحكومية والسياسية والعسكرية وأن تبقى ولو صوريا وذلك من أجل تبرير تدخلهم إذ أن التدخل يأتي عادة بطلب من رئيس الدولة أو الحكومة وبالتالي لا بد أن تبقى الحكومة الهشة ليبقى مبرر التدخل قائما وحتى يسهل التحكم بالدولة الفاشلة من خلال مؤسساتها ذاتها ليبدو الأمر وكأنة يتم من خلال مؤسسات الدولة وليس بدافع خارجي.
وجدير بالانتباه أن الوصول الى الدولة الفاشلة تتم بخطوات بطيئة وهادئة وتعطى المدة الزمنية الكافية من خلال أسلوب الإنهاك والتآكل البطيء لكن الثابت وللأسف أن يشارك الجميع من مواطنين ومثقفين وسياسيين ورجال الحكومة في هذا الانهيار تحت غلاف المحافظة على الوطن وتحت وطأة الظلم والاستبداد وانعدام الحريات والتسلط وإيثار المصالح الشخصية والحزبية الضيقة وانتشار الفساد وغياب المساءلة والشفافية واللجوء للقوى الخارجية والاستقواء بها لدعم جهة على جهة.
وبالنسبة للدول العربية والإسلامية فقد بين مؤشر صندوق من أجل السلام للدول الفاشلة أو الهشة لعام 2019 أن سوريا والصومال واليمن في حالة انذار عال جدا وهي أسوأ حالة في المقياس تليها السودان وأفغانستان في حالة الإنذار العالي ثم موريتانيا وليبيا وباكستان والعراق في حالة الإنذار ثم ايران ولبنان وبنغلادش ومصر في حالة التحذير العالي جدا ثم تونس والمغرب وأذربيجان والأردن في حالة التحذير العالي.
ويحسن التنوية إلى أن موجة الربيع العربي لم تكن السبب وراء احتلال هذه الدول مراكز متقدمة في نتائج المقياس ولكنها الشرارة التي تولدت عن الفشل السابق لأعوام موجة الربيع العربي كما أنها المحفز الذي أظهر مكامن الضعف في هذه الدول والتي تجلت في عجزها عن احتواء أزمات المراحل الإنتقالية أو الأزمات الناجمة عن الثورات والمضي في بناء الدولة بشكل عملي أي أن بذور الفشل في هذه الدول كانت موجودة قبل اندلاع موجة الربيع العربي .
*2. مفهوم الدولة المارقة والدولة المنبذوة *
وهو من المفاهيم التي تطرح بين الحين والآخر وأحيانا يطرح مصطلح الدولة المنبوذة ومصطلح الدولة المارقة ظهر في عهد الرئيس الأمريكي رونالد ريغان خلال إصدار القائمة الرسمية للدول التي ترعى الإرهاب وتضيف الولايات المتحدة الأمريكية للقائمة أيضا الدول التي تسعى للحصول على أسلحة الدمار الشامل أما مصطلح الدولة المنبوذة وهو قريب جدا من مفهوم الدولة المارقة فيطلق على الدول التي تعاني من عزلة دبلوماسية بسبب سلوكها وتوجهاتها السياسية والفرق بينهما يكمن في أن الدولة المارقه تشجع وقد تصدر الإرهاب أما الدولة المنبوذة فليس بالضرورة أن تفعل ذلك لكن توجهاتها السياسية غير مرغوب فيها وأحيانا يكون بسبب شخص رئيسها المباشر وليس كل الشعب أما الدولة الفاشلة فليس بالضرورة أن تكون مارقة أو منبوذة لكنها تشكل خطرا على اعتبار انها قد تكون ملاذا للإرهاب أو المخدرات وغير ذلك.
وبالتالي تكون الدولة المارقة هي الدولة الخارجة عن القانون ولا تتقيد بالأعراف الدولية أو أنها تشكل تهديدا لجيرانها أو العالم وهذا الوصف سياسي بأمتياز وانتقائي وهو توصيف نابع من تصور الولايات المتحدة الأمريكية التي تصنف من لا يتفق مع سياساتها وسياسة الغرب بهذا الوصف فهناك دول تنتهك القانون الدولي وتحتل أراضي الغير ولا توصف كذلك




