سلط المعهد المصري للدراسات، الضوء على سياسة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في العراق خلال فترة تولي رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي، وسياسته المحتملة تجاه حكومة عادل عبد المهدي، مشيرا إلى انها “جزء لا يتجزأ” من سياسته في الشرق الأوسط، والتي تبدو مستندة إلى النهج القوي المتشدد.
وذكر المعهد في تحليل أعده البروفيسور عثمان علي، ونشر الأسبوع الماضي، ان “هناك تناقضات في سياسة ترامب بمنطقة الشرق الأوسط، فمثلا في العراق، تتسم سياسة ترامب لحد الآن بكونها بمجملها سياسة غامضة ومتناقضة أيضا وفيها الكثير من العشوائية، حيث اعتبر ترامب غزو العراق خطأ، ثم عاد ليقول، إنه كان من المفروض ألا نغادرها في عام 2011”.
وأضاف ان ” ترامب، أكد سابقا أن العراق حليف وعبر عن رغبته بإدامة العلاقات المتينة بين الولايات المتحدة والعراق، ثم قام بفرض حظر على سفر العراقيين إلى أمريكا، لكن تم إزالته فيما بعد، وبعد تنصيبه رئيسا في كانون الثاني عام 2017، قال ترامب، كان من المفروض على الولايات المتحدة أن تحتفظ بالنفط في العراق بعد أن غزت قواتها العراق في عام 2003، ثم قال ربما سنحظى بفرصة أخرى”.
وأوضح علي، أن “مبدأ سياسة (أمريكا أولا) والإيمان بنهج القوة الصلبة وعدم استخدام القوة الناعمة في السياسة الخارجية ترك بصماته السيئة على سياسة ترامب تجاه العراق، حيث أصر ترامب على استخدام القوة الصلبة في محاربة داعش وعدم الضغط على بغداد في تشجيع المصالحة الوطنية أو إعادة الإعمار في المناطق السنية المنكوبة، كما أكد ترامب مرارا على ان واشنطن تبذل الجهود العسكرية الكبيرة وعلى الآخرين دعم العراق في إعادة الإعمار”.
أما بشأن مستقبل سياسة الولايات المتحدة في العراق، فقد أشار علي، إلى ان نتائج الانتخابات الأخيرة التي أجريت في أيار الماضي، شكلت مؤشرا واضحا على هزيمة سياسة ترامب في العراق وسياسة الاحتواء تجاه إيران في العراق، حيث أفاد عبد الوهاب أحمد، من مؤسسة الشرق الأدنى في واشنطن، أن “الولايات المتحدة كانت تأمل في أن تمنح الانتخابات للعبادي ولاية جديدة تمكنه من إطلاق حملة شاملة ضد الفساد وتنفيذ الإصلاحات الاقتصادية بالإضافة إلى قوة الاستعادة التي تم التنازل عنها لكل من إيران والميليشيات المستقلة المدعومة إلى حد كبير من إيران”.
وأضاف أحمد، أن ” واشنطن راهنت بشدة على التحالف الذي يقوده رئيس الوزراء حيدر العبادي للفوز، لكنه هبط إلى المركز الثالث، حيث فاز بـ 42 مقعدا فقط في البرلمان”، فيما يرى الخبير في معهد “بروكينغز” ومقره واشنطن ان “فوز التحالف الذي يقوده الصدر كان بمثابة انتكاسة واضحة وقلب لسياسة أمريكا في العراق رأسا على عقب، وتواجه واشنطن الآن أزمة سياسية حادة في بلد استثمر فيها دما كثيرا وكنزا كبيرا”، حسب تعبيره.
وبين انه رغم جهود ترامب ومبعوثه الخاص بريت ماكغورك، لضم الكرد إلى كتلة الإصلاح التي كانت تحاول إعادة العبادي لولاية ثانية للحكم، فقد نجحت طهران في ضم الحزبين الكرديين الرئيسيين الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، فبعد زيارات متبادلة بين الطرفيين أصبح هناك تقارب واضح في موقف زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود بارزاني من إيران، وتجلى ذلك في اتخاذ بارزاني موقفا مؤيدا لكتلة العامري والمالكي بصدد الموقف من اعطاء العبادي المدعوم من اميركا ولاية ثانية .
وفيما يتعلق بسياسة الإدارة الأمريكية في احتواء إيران، وتعاملها مع حكومة عادل عبد المهدي، أشار المحلل في مؤسسة “تشاثام هاوس” في بريطانيا، ريناد منصور، إلى ان “إيران هي الآن اللاعب الأجنبي المهيمن في العراق، حيث اخترقت طهران العديد من مؤسسات الدولة العراقية ولن تستطيع أية حكومة عراقية أن تتخلص من هذه الهيمنة”.
وأوضح انه “إذا صعد ترامب من سياسته المعادية لإيران في الشرق الأوسط ستلجأ طهران إلى الإنتقام من أمريكا في المناطق الرخوة، ويعد العراق منطقة رخوة حيث ستهاجم الفصائل العراقية المقربة من إيران القوات الأمريكية المتواجدة في العراق. وسوف تطالب الأكثرية البرلمانية المؤيدة لإيران في بغداد بجدول زمني لانسحاب القوات الأمريكية من العراق، كما لم يخف قادة تلك الفصائل النية في ضرب المصالح الامريكية في العراق إذا طلب منهم ذلك”.
وتابع بالقول إن “سياسة ترامب لاحتواء إيران ومحاولة الضغط على حكومة عبد المهدي لتطبيق الحصار الاقتصادي المعلن من قبل ترامب ستكون لها عواقب سلبية على الحكومة والاستقرار، رغم أن العراق قد يتضرر من العقوبات حيث يعتمد على جارته الشرقية في إمدادات الغاز إلى الكهرباء والماء والمواد الغذائية”.
وشدد الكاتب والمحلل عثمان علي، على ان “السياسة الأمريكية في العراق بعد إزاحة نظام صدام حسين، هي التي خلقت حالة التبعية في العراق لإيران”، مبينا أن حالة التبعية لإيران تتضح في عدة أمور، منها حاجة العراق إلى الغاز الإيراني، حيث قال وزير الكهرباء العراقي العام الماضي، إن العراق سيعتمد على الغاز الإيراني لتوليد الكهرباء لمدة سبع سنوات على الأقل.
كما ان إمدادات المياه في العراق تعتمد على تدفقات نهري دجلة والفرات حيث تحصل على 98 في المائة من مياهها السطحية، وفي حال اختارت إيران استعمال سلاح الماء ضد العراق يمكن أن تقوم بتحويل 13 في المائة من موارد المياه في العراق، وإذا امتثل العراق للعقوبات التي أعلنها ترامب، يمكن لإيران بسهولة أن تقطع تدفق المياه، كما فعلت في منطقة كردستان في محافظة السليمانية واستعملتها كورقة ضد الاستفتاء في الإقليم، وفقا لوزارة الزراعة في حكومة إقليم كردستان.
أما النفوذ السياسي لإيران في العراق، فقد تجلى بوضوح عقب تأخر تشكيل الحكومة في بغداد خمسة أشهر بعد انتهاء الانتخابات وكان ذلك بسبب الضغوط الإيرانية التي كانت تمارسها على الأطراف السياسية الشيعية حتى تكون تشكيلة الحكومة ورئيسها من عناصر موالية لهم.
ووفقا لتقارير إعلامية عراقية، فقد زار مسؤولو وزارة الخزانة الأمريكية البنك المركزي العراقي في تموز الماضي، وأكدوا ان “الولايات المتحدة ستعاقب أي بنك عراقي يقوم بمعاملات مالية مع إيران”، وبحسب صحيفة “وول ستريت جورنال” فإن لدى الحكومة العراقية حسابات مصرفية لدى بنك الاحتياطي الفيدرالي في الولايات المتحدة، حيث يتم الاحتفاظ بدولاراتها، وهذه الدولارات التي يعتمد عليها الاقتصاد العراقي يمكن تجميدها إذا خالف العراق العقوبات.
وخلص علي، إلى القول إنه ” رغم إشادة الإدارة الامريكية بالحكومة التي أسسها عادل عبد المهدي، فقد اتهمت بعض الاطراف العراقية بكون الحكومة غير تكنوقراطية وكانت كسابقتها حكومة محاصصة طائفية وقومية وحزبية، واتهم البعض التشكيلة الوزارية التي نالت ثقة البرلمان العراقي بكونها من المرتبطين بإدارة بول بريمر، الحاكم الامريكي السابق في العراق، كما كانت الإدارة الامريكية هي الطرف الاول التي عبرت عن ثقتها بالحكومة الجديدة التي ألفها عبد المهدي”.




