هل ستتمكّن حكومة عادل عبد المهدي من إرجاع الحياة الطبيعية التي يطالب العراقيون بإعادتها، أم أن حياتهم ستبقى متوقفةً ومعلقةً حتى إشعار الاحتلالين، الأميركي والإيراني؟
بغض النظر عن التقليد الذي استنسخ من الديمقراطيات الغربية، وهو إعطاء الحكومة مهلة 180 يوما، قبل أن تخضع لتقييم شامل بشأن أداء وزرائها، ومدى تنفيذهم البرنامج المقترح من رئيسها، فقد بدأ مسار الحكومة الجديدة بخلافاتٍ وتهديد تقليديٍّ، تمت ممارسته في الحكومات السابقة، بإخراج ملفات لفضائح فساد مالية وإدارية حول بعض الشخصيات المرشّحة للوزارات، خصوصا بين الكتل الشيعية التي تريد كل منها فرض وزرائها، والحصول على الحقائب السيادية التي تضمن لها هيمنةً على السلطة، كالداخلية والدفاع والثقافة والعدل والتعليم العالي والتخطيط والهجرة. وعلى الرغم من مرور بضعة أيام على تصويت البرلمان على 14 وزارة من مجموع 22، لم تفلح الكتل في الاتفاق على الحقائب الثماني الباقية، بسبب إصرار كل منها على منع وصول بعض الشخصيات غير المقبولة.
كيف يريد رئيس الوزراء تنفيذ “برنامجه الطموح” لبناء دولة سيادة القانون عابرة للطوائف، في حين تقوم أحزاب المليشيات، من البداية، بتهديد تشكيل الحكومة وتخريبها، في حال عدم حصولها على ما تريد من وزارات؟ لا تعيد هذه الخلافات والمناوشات فقط مجدّدا إنتاج حكومة محاصصة طائفية، بل هي تذهب إلى أبعد في المحاصصة الطائفية لمفاصل أخرى من الدولة، مثل الهيئات التي صنّفها الدستور العراقي مستقلةً، كهيئة النزاهة والحج والإعلام والاتصالات والبنك المركزي وأمانة بغداد والأمانة العامة لمجلس الوزراء. لم يخفق عبد المهدي فقط في تشكيل حكومة من المستقلين، كما وعد، بل إنه أخفق حتى في وضع وزرائه في المكان المناسب لتخصصاتهم، وهذا ليس فقط دليلا على الإخفاق المهني لرئيس الوزراء الجديد، بل على إمكانية الاعتماد على حكومته في تنفيذ البرنامج المطروح.
الفضيحة الأخرى التي وصمت الحكومة الناشئة هي مسألة الموازنة التي “أقرت” أو بانتظار الإقرار للجدل المستمر حولها، للمحافظات المنكوبة، والتي لا تتناسب مع حجم التدمير الذي حصل فيها، وخصوصا في مدينة الموصل الشهيدة التي دمرت عمدا مع سبق الإصرار والترصد، بعد أن سلمها نوري المالكي لتنظيم داعش، حيث لا تزال جثث مواطنين عراقيين تحت الأنقاض، يعم فيها الخراب ويرفض إعادة بنائها، وتعويض سكّانها ورجوع المهجرين إليها، ويوجد تجاهل إجرامي تام من السلطات الحكومية.
الأدهى من ذلك لا مبالاة الحكومة التي تدّعي برنامجا يستجيب لحل مشكلات الشعب. ما يحدث، منذ أسبوع، لخمس محافظاتٍ عراقيةٍ شهدت حالات تسميم للأسماك، ونفوق ملايين منها، ما يعد كارثة بيئية واقتصادية، جعلت أصحاب المهن فيها في حالةٍ من اليأس والاكتئاب، وأثارت غضب الشعب العراقي الذي رأى في هذه العملية حربا على قوته واقتصاده، في حين أن الحكومة لزمت الصمت، ولم تتحرّك حتى لنجدة المواطنين، ومعالجة هذه الكارثة والتحقيق فيها، بل العكس ما جرى، إذ قلل مسؤولون حكوميون من أهمية ما حدث، واعتبروه حالة طبيعية، في وقتٍ يتحدث الصيادون عن عملية تسميم مقصودة لأحواضهم، وللأنهار العراقية، من التجار الإيرانيين الذين يهيمنون على السوق العراقية، ويفرضون إرادتهم، بمساعدة الحكومات العراقية المتوالية، على حساب المنتجات العراقية الزراعية والصناعية. وقبل الثروة السمكية، أغرقت إيران السوق العراقية بمنتجاتها الزراعية، فبينما كانت منطقة الجزيرة، سلة الغذاء العراقية، تنتج ما مقداره 80% من حاجة العراق للخضروات والفواكه، هجر المزارعون مهنتهم، وهبط إنتاجها إلى 10% فقط، تحت أنظار حكومات الاحتلال، بسبب تفضيل استيراد المنتجات الإيرانية، وفرضها على السوق.
أما حالات التسمم من المياه في البصرة ففي تزايد وارتفاع مستمر، إذ بلغ عدد إصابات التسمم 118 ألف حالة، أي ضعف ما كانت عليه قبل بضعة أشهر في عهد رئيس الوزراء السابق، حيدر العبادي، الذي أهمل كل ما جرى في المدينة! وليست هناك حكومة في العالم تتجاهل بمثل هذه الطريقة ما يحدث من كوارث في بلدها ولمواطنيها. وقد سبق لعادل عبد المهدي أن كتب، في مقال له عن الإرهاب الذي ضرب بغداد قبل سنوات، أن الحكومات في الديمقراطيات تسقط وتستقيل، حينما تحدث مثل هذه العمليات وباستمرار، لعدم قدرتها على المعالجة، وهو على صواب. ولكن لماذا؟ وهو الذي عاش أكثر من ربع قرن في الديمقراطية الفرنسية، ويعرف معنى حدوث مثل هذه الكوارث، ودور السياسيين في التخفيف منها، وردود أفعال المواطنين، لم يحرك ساكنا، ولم يكلف نفسه بإرسال رسائل إلى المحافظات الخمس المنكوبة، ولم يرسل مبعوثا لهم للاطلاع على حقيقة ما يدور على أقل تقدير؟ لماذا لا يلتفت إلى حالات التسمم في مدينة البصرة، ويتخذ إجراءات مستعجلة، ليثبت للعراقيين، بشكل ملموس، أن برنامجه ليس فقط دعاية، بل إنه مسؤول قريب من هموم العراقي ومشكلاته ومطالبه؟ هل قرأ أو سمع تقرير منظمة مجلس اللاجئين النرويجية التي ذكرت أن أكثر من ربع مليون طفل بصري في مواجهة خطر الإصابة بالأمراض الناجمة عن تلوث المياه، مع بدء العام الدراسي الجديد وانخفاض درجات الحرارة؟
بدايةً، هذه الحكومة بشرى غير سارة للشعب العراقي المظلوم الذي يرزح تحت حكوماتٍ أحرقت الأخضر واليابس منذ 15 عاما، والذي خرج مطالبا بالتغيير الحقيقي، من إلغاء المحاصصة ومحاسبة الفاسدين وإرجاع العراق من ساسة المستعمرة الخضراء إلى أهله، وقد أصاب عندما لم يذهب بأغلبيته إلى الانتخابات، فهذه الحكومات ليست أكثر من دمى وبيادق، وضعت ستارا يخفي تنفيذ خطط الاحتلال الأميركي الإيراني الصهيوني، لتدمير أهم بلد في المشرق العربي وتفتيته، وتهجير شعبه. ومن هذه الحكومات حكومة عبد المهدي الجديدة، وهي قديمة لا تختلف عن سابقاتها كما اتضحت مع بدايتها، ولن تستجيب لمطالب الشعب العراقي لإعادة الحياة إلى كل المرافق، ليعيش العراقي حياة طبيعية، بل تعمل رهن إشارة المحتلين، وتلتزم بتنفيذ مخططاتهم، ولن يوقفها عن ذلك كله إلا انتفاضة وثورة شعبية عارمة، تكنس مشاريعها وبيادقها، وتقذف بهم إلى دجلة والفرات، لتعود الحياة إلى بلاد ما بين النهرين، وإلى شعب هذه البلاد الكريم.





