كرر الرئيس الإيراني حسن روحاني تعريف التفاوض مع واشنطن خلال الأسبوعين الأخيرين ، مؤ ًكدا الانفتاح وإمكانية الحوار إذا غیرت واشنطن سلوکها السياسي ، وجمدت العقوبات الاقتصادية المفروضة على بلاده ، ومنطلقاً من مقولة علي خامنئي (لا حرب ولا تفاوض) وفق رؤية تعكس حالة الفوضى السياسية التي باتت تعيشها إيران، في الوقت الذي تدرك فيه الإدارة الأميركية أن روحاني ليس هو الشخص الأول ولا الثاني في النظام الإيراني والذي يستطيع اتخاذ قرار بهذا بحجم تدشين مفاوضات مباشرة وعلنية .
المرشد خامنئي والمؤسسات القوية في إيران تنظر بعين الرضا إلى تصريحات روحاني غير المنسجمة ؛ لأن قرار المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة ستبقى معلقة حتى إشعار آخر، ومما رجح من هذا الخيار حالياً ، وعدم وجود أي مؤشر على حدوث تحول في مواقف طهران وواشنطن، على الرغم من استعداد طهران إجراء تحولات على السياسة الإقليمية والعسكرية والنووية الإيرانية، في ظل تصاعد احتمالية الإفراج عن الخط الائتماني الأوربي والبالغ 15 مليار دولار ، إلا أن الهجمات الأخيرة على شركة أرامكو السعودية قد أعادت الأمور إلى المربع الأول في ظل تزايد الشكوك حول تورط إيران فيها بشكل مباشر ، مما يعزز من فرص التصعيد مع إيران ، وربما تأخذ منحى عسكرياً هذه المره .
بموازاة ذلك يستمر الاقتصاد الإيراني في التدهور ، مع تزايد وتيرة التشاؤم ، وبرز هناك مجتمع تضرر بشكل متزايد من العقوبات والتضخم والاقتصاد المنهار ، عززه التقارير الصحفية التي تتحدث عن إمبراطورية الفساد في استيراد الدواء والغذاء ومتطلبات الحياة اليومية بعد المبالغ الفلكية التي جناها التجار اللذين لجأ قسم كبير منهم إلى الخارج .
تشكل هذا الشهر رأي عام في طهران مفاده ضرورة البدء بمحادثات مباشرة محتملة بين روحاني وترمب على هامش المؤتمر السنوي للامم المتحدة ، و سرعان ما خفتت وظهر هناك هجوم محافظ كاسح وصلت ذروته باتهام روحاني بالصهيوني والمتأمر على الأمن القومي الإيراني .
الرئيس روحاني عبر عن رؤيته بشكل واضح وأعلن ” أنه إذا كان اللقاء بشخص ما سيحل مشاكل المواطن، ویطور البلد، فلن أتردد في مقابلته، فمصالح البلد هي الأساس بالنسبة لنا”. تصريحات روحاني التي فهمت على أنها موافقة ضمنية للقاء ترمب ، انتشرت بشکل سریع وكالنار في الهشيم ، و تزامنت مع انعقاد قمة الدول السبع الاقتصادية في باريس ؛ ومع دعوة الرئيس الفرنسي لوزير الخارجية محمد جواد ظريف؛ والزيارة التي قام بها ظريف إلى فرنسا، ولقائه مع ماكرون، على هامش قمة مجموعة الدول السبع؛ هذه التطورات تزامنت مع تصريحات سابقة تحدث فيها روحاني بشكل مباشر وموجهاً كلامه للرئيس ترمب “إذا أوقفتم العقوبات؛ فإننا مستعدون للتفاوض، حيث ربط إجراء المفاوضات برفع العقوبات الأميرکیة .
إزاء هذه التطورات والمعطيات هل يملك روحاني قرار التفاوض مع واشنطن ؟ المؤكد أن الشخص المخول باتخاذ القرار النهائي هو المرشد علي خامنئي الذي بات يتلاعب بروحاني الذي بات يصدر يومياً تصريحات متضاربة ، ولكن ما الذي يدفع الرئيس روحاني لإطلاق مثل هذه التصريحات وهو يدرك في النهاية أنه لا حول له ولا قوة ؟ وهل حدث هناك تطورات في الأسابيع الأخيرة جعلت روحاني يطلق هذه التصريحات ؟ هناك مؤكدان وثابت : فالثابت أن إيران دخلت في منعطف خطير نتيجة المؤشرات الاقتصادية التي قد تؤدي إلى تهاوي الاقتصاد والمجتمع دفعة واحدة . أما المؤكدان : أن هناك تنسيق بين خامنئي وروحاني لإطلاق هذه التصريحات لتنفيس الوضع الداخلي الإيراني وإبراق رسائل للخصوم والمنافسين لاستعداد طهران للحوار مع الشيطان الأكبر ” أميركا ” ، ودفع الدول الضامنة للاتفاق النووي لاسيما دول الاتحاد الأوروبي وروسيا والصين لتقديم المزيد لإنقاذ الاقتصاد الإيراني ، المؤكد الثاني : أن وزير الخارجية جواد ظريف بات أكثر ارتباطاً وتنسيقاً مع مكتب المرشد ومع المؤسسات الأمنية الإيرانية ، وهو المنفذ لقرارتها ، وعندما يروج لشعار المرشد “لا تفاوض ولا حرب”- فهو يسعى للحصول على المزيد من المكاسب من أوروبا، و المطالبة بتفعيل الوعود الأوروبية، والتخفيف من العقوبات الأميركية التي بدأت بخنق الاقتصاد الإيراني وتوظيف مختلف الخيارات لإنقاذ الدولة والثورة الإيرانية التي باتت تواجه أكبر تحدي منذ أكثر من ثلاثين عاماً .




