
قال رسول الله ﷺ:﴿ ما من مُؤمِنٍ يُعَزِّي أخاه بمصيبةٍ، إلا كساه اللهُ سبحانه من حُلَلِ الكرامةِ يومَ القيامةِ ﴾. ولأن الموت حق وقدر محتوم على كل العباد فأن العِرف الاجتماعي السائد بين الناس في مثل هكذا أقدار والمتداول في العراق وحتى في بقية الدول العربية؛ هو إقامة مجلس عزاء يسمى بـ (الفاتحة) تستقبل فيه عائلة المتوفي المعزّين من الأقارب والأصدقاء ولمدة ثلاثة أيام. يُقرأ فيها القرآن الكريم ويقدّم للحاضرين الماء والقهوة وفي اليوم الثالث ينثر (ماء الورد) على أيادي الحضور للدلالة على انتهاء الحزن وينتهي كلَّ شيء، وهذا هو التقليد الاعتيادي والمتعارف عليه بين أغلب العوائل العراقية، وفي اليوم الثالث منه ترتأي قسم من العوائل تقديم وجبة طعام دسمة للضيوف إكراماً لهم. وفي كل الأحوال فأن هذا العرف المتوارث، بكل أشكاله وحجمه هو عبئ مالي وكلفة زائدة على العائلة.
الجالية العراقية في الأردن تتبع هذا التقليد وهذا العرف، بإيجابياته وسلبياته، لكن مع تغيرات طفيفة. فبعد تزايد أعدادهم في السنوات اللاحقة من عام 2003، أصبحت الحاجة ملحّة لاختيار مكان معروف وقاعة مناسبة لإقامة مجالس عزائهم.
وهكذا أمست مجالس عزاء العراقيين في العاصمة عمّان بمرور الأيام محصورة في خمسة قاعات على الأغلب، ثلاثة منها لجمعيات مسيحية وواحدة لجمعية إسلامية وأخرى في قاعة مسجد، وهي قاعات واسعة ومهيّئة، كانت في السابق تمنح مجاناً لعائلة المتوفي لإقامة (دار عزاء) فيها-كما تُكنى في الأردن-كنوع من التعاطف النفسي والدعم المعنوي وللتخفيف عن كاهل أسرة الفقيد، وكانت محدودة جداً في ذلك الزمن لأن أكثر العشائر والعوائل الأردنية لها ديوان خاص باسم العشيرة يقام فيه مثل هكذا مناسبات ومناسبات أخرى. أما بعد عام 2003، فقد بدأت إدارة هذه القاعات باستفاء مبلغ مقطوع من العائلة العراقية المنكوبة، عن كل يوم يقام فيه مجلس عزاء وبدأت أجور هذ القاعات بالزيادة التدريجية يوماً بعد يوم حتى أصبحت غير واقية ولا مسوّغ لذلك. تضاف إليها مصاريف أخرى بفضل مافيات توزعت على هذه القاعات لتكملة مراسم العزاء منها الماء، والقهوة، والشاي، والتمر باللوز أبو بالجوز، والمحارم (كلينكس) وقارئ القرآن، ولافتة إعلانية (قماش أو فَلَكس) كبيرة توضع في باب القاعة، وعدد من النُدل (الأشخاص الذين يقومون بخدمة المعزين)، وخدمة اصطفاف السيارات (ڤالية) ولكل فقرة من تلك الفقرات لها حسابها الخاص بحسب طلب العائلة، ومعزّة المتوفي لهم، ووزنه ومكانته في المجتمع، وعدد الحضور المتوقع، بحيث أصبحت تكلفة هذا المجلس لليوم الواحد في أدنى معدلاتها يفوق الألف دولار صعوداً لغاية ألفي دولار.
أما إذا أصرّت عائلة الفقيد على إقامة وجبة عشاء حتى ليوم واحد فأن التكاليف تتضاعف عن ذلك المبلغ، خاصة وإذا كانت الوليمة معدّة في إحدى مطاعم الدرجة الأولى وتحتوي على ما لذَّ وطاب من أصناف اللحوم وبقية الأكل.
بعض المعزين ينفرون أو يعتذرون من الحضور في يوم العشاء تلافياً لمنعهم من مغادرة القاعة إلا بعد مشاركتهم العشاء ثواباً على روح الفقيد، أو إنهم يعبّرون عن عدم رضاهم من هذا التبذير غير المبرر. والمؤسف والمحزن فيما يحصل في هذه المآدب هو ما أن يبدأ وقت العشاء حتى تلاحظ ازدياد عدد الحضور بشكل ملفت من أشخاص واضح على محياهن أنهم غرباء، يدخلون القاعة من هنا وهناك بلا حياء، سمّوا بـ (اللكّامة) وهو وصف صادق أو (المگادي)، يزاحمون المعزّين الضيوف بشكل غير لائق ويشفطون الأكل بطريقة مُقرفة ونهماً مفرطاً. وبات واضحاً أن كثير من هؤلاء يترددون بشكل ممنهج على مثل هكذا مجالس ويبدوا أن أشخاص من داخل القاعة أو خارجها متواطئين مع هؤلاء(اللكّامة) وعلى اتصال بهم لإعلامهم بيوم الغنيمة وأصناف الأكل والكمية المفروشة من الطعام …!

رجل دين معروف وشخصية لها ثقلها الاجتماعي، تحضر على الأغلب لمثل هكذا مجالس فتُقدم الموعظة لذوي الفقيد مباشرة والحاضرين أيضاً بعدم التحدث أثناء قراءة القرآن أو صمته، كما ينصحهم بعدم إقامة وليمة عشاء، والأولى توزيع مصاريفها على الفقراء، لكن لا حياة لم تنادي، لمثل هذه النصيحة، ولا زالت بعض العوائل وهم كُثر لا تبالي في كل ما يقال وتعتبر عدم إقامة مثل هذه الشعائر على فقيدهم هو عيب قبلي يُشار لهم بأصابع البُخل وقلّة الذوق وخروج عن التقاليد المتوارثة، إن لم يُسايروا هذا العرف، وتُشعرهم بالحرج أمام معارفهم فتلاحظ فيها مظاهر الترف والإسراف …!
إن مصاريف مجالس العزاء باتت باهظة في هذا الزمن وفاقت الحدود وأصبحت محل اشمئزاز وتندّرْ لدى الكثير من الناس وتستنزف جيب العائلة، هم أحوج إليها وهم في غربة، وهي مظاهر لا داعي لأقامتها. ونظراً لجشع أصحاب هذه القاعات في أجورها والمستلزمات الأخرى فأن كثير من ذو المتوفي خاصة من ذو العقول الراجحة والحصيفة، بدأت تعي هذا الطمع ومساوئ هذه التقاليد البالية والمظاهر الزائفة فقد لجأت إلى إقامة مجالس عزائهم على قدر يوم واحد أو يومين وبأقل التكاليف وتقديم القهوة فقط، والتّرفّع عن إقامة وجبة عَشاء، وألغت بقية الفقرات وجميعها من البدع، وبعضهم ألغى -وهم قلّة- حتى قراءة القران لعدم التزام المعزّين بالقول الكريم﴿ وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون ﴾بل أصبحت القاعة في بعض أوقاتها هرج ومرج والحديث بصوت عالي وأحياناً الضحك، دون اكتراث لمشاعر عائلة الفقيد.
إن كل ما ذُكر أعلاه من كلام ينطبق على مجالس النساء أيضاً ولا فرق بينهما إن لم يكن هنَّ أكثر …!

بعد عمليات داعش الإجرامية في مناطق واسعة من العراق، تأسّست في عمان عدد من الجمعيات والمنظمات العراقية الخيرية؛ منها رسمية مرخّصة ومنها غير رسمية تطوّعيّة، هدفها الأسمى إنساني ونبيل، يتمثّل بمساعدة العوائل العراقية النازحة والمتعفّفة الذين تركوا بيوتهم ومُعيلهم وفقدوا أموالهم وإرثهم وهجّروا من مدنهم وقُراهم وانتقلوا إلى الأردن، بعضهم أيتام، وبعضهم أرامل، والبعض الآخر عجزة وكبار في السّن، وأغلبهم بحاجة لرعاية صحّية دورية. فكانت هذه الجمعيات خير مُعيل لهم قدر المستطاع، تُشاطرهم أحزانهم وآلامهم، وتخفّف عنهم شظف العيش وشدّة العوز، وهم في غربة الأوطان بانتظار أن يَفرج الله عنهم لمستقبل أفضل، وأغلب هذه الجمعيات تقودها نساء تغلبهنَّ الشفقة والرحمة الأبوية، وتشمل عطايا هذه الجمعيات أيضاً إخواننا السوريين والفلسطينيين والأردنيين ممن يستحقونها. أن هذه الجمعيات تتلقى دعمها المالي والمؤازرة المعنوية من تبرعات المواطنين ميسوري الحال وفاعلي الخير وأصحاب الشهامة والمروءة أينما وجدوا في العالم، فالجود من الموجود من هؤلاء لهؤلاء.
لذلك نرى أنه آن الآوان للمواطن العراقي في الأردن أن يقلع عن هذا التقليد في المبالغة في إقامة مجالس العزاء ويغلق باب الجشع بوجه هؤلاء المنتفعين وقت الشدّة والضيق، وعدم هدر المال في أماكن وِجاهية وأبّهة لا تُغني ولا تُسمن من جوع، والأفضل أن يفتح باب الخير بوجه هؤلاء المعوزّين من أبناء جلدتنا حيث أن الواجب الإنساني والوازع الأخلاقي يحتم أن نمد تلك الجمعيات والمنظمات بالتبرعات الممكنة وبالقدر اليسير من أموالنا التي أنعمها الله علينا، وأن نُكفكف دموعهم ونحميهم ونقدم لهم ما استطعنا من مساعدة لازمة؟
ولا بد أن نتذكّر دائماً؛ إن الله في عون العبد… ما دام العبد في عون أخيه.





