هل من أثمان يجب دفعها دية عن دم خاشقجي؟

من غير المستبعد أن أطرافا إقليمية بما فيها دول عربية هامشية تبحث لنفسها عن أي دور مهما كان، ودولية تمكنت من توظيف الأزمة الناتجة عن مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي في مبنى القنصلية السعودية في اسطنبول، في فرض حل لأزمة اليمن على المملكة العربية السعودية التي تقود تحالفا عربيا هناك ما كان لها أن تقبل به لو عرض عليها حل أفضل منه قبيل واقعة خاشقجي.
إن الإصرار التركي على مواصلة ضخ رسائل غامضة أحيانا وواضحة أحيانا أخرى عن دور ولي عهد المملكة العربية السعودية محمد بن سلمان ليس لإيمان مفاجئ لدى أردوغان بحقوق الإنسان وإنما لعوامل ارتزاق مالي وسياسي وخاصة على مستوى الدول الغربية ودول أخرى متربصة بالعرب لصالح المشروعين الإيراني والإسرائيلي، ثم تتلقفها قناة الجزيرة القطرية التي فقدت مصداقيتها ومهنيتها وشرف المهنة الصحفية، من يوم راحت تطبل لخبر مقتل خاشقجي وكأنه آخر القصص التراجيدية في تاريخ الإنسانية حتى نسي الناس جميعا ما حل بالعراقيين والسوريين والفلسطينيين من مآس وكوارث إنسانية بسبب الأدوار المخزية لبعض الدول العربية التي تواطأت لتدمير العراق وقتل أهله، والعراقيون يذكرون أن طائرات العدوان كانت تنطلق من قواعد الموت في قطر وأن أرتال الغزو تقدمت من الأراضي السعودية والكويتية، فراحت فضائيات مملوكة لقطر تعيد الأخبار المكررة والمملة وعلى نحو يثير الاشمئزاز والكراهية، وكي تجعلها أكثر اثارة للانتباه تجعل أخبارها في أسفل شاشاتها باللون الأحمر لتوقع في ذهن المتلقي أنها أخبار عاجلة على الرغم من أن حرفية العمل الإخباري لا تسمح بأخبار بائتة منذ أيام وأسابيع لترسم لها هذه الصورة، ولو كان هناك ميثاق شرف عمل صحفي تلتزم به الجزيرة لتمت محاسبتها على هذا الخرق المهني فضلا عن الأخلاقي، ومع ذلك لم تحقق المرجو منها بل كان مشاهدوها في نقصان لافت، ومن دون شك إن ما يحصل هو انحطاط قيمي لأن عناوين الفضائية تتكرر كل يوم منذ يوم مقتل خاشقجي حتى الآن بحيث فقدت تلك الأخبار أي طعم أو نكهة لها وجرّت بسببها قناة الجزيرة ومن يقف وراءها من إدارة أو سلطة سياسية قطرية إلى حضيض العهر السياسي.


السيناتورين غراهام ومنديز المؤيدين لاتخاذ موقف متشدد من السعودية

وتتراصف مع تركيا وقطر أوساط سياسية في الكونغرس ومجلس الشيوخ والأوساط الصحفية، تحاول كسب معركة داخلية ضد الرئيس ترمب، فلم تجد ملفا قابلا للتوظيف مثل ملف خاشقجي وتوجيه الاتهام بصورة مباشرة إلى محمد بن سلمان بهدف الابتزاز وإضعاف المملكة العربية السعودية، وليس الهدف النيل من محمد بن سلمان، نعم علينا أن نعترف أن واقعة خاشقجي قد نالت من مكانة محمد سلمان ودفعت به إلى تقديم تنازلات ما كان له أن يقدمها لولا وقوع مقتل في القنصلية السعودية في اسطنبول واتهام عدد من المقربين منه بتنفيذ الجريمة، وكذلك القيام ببعض الفعاليات السياسية بهدف إثبات مكانته التي لم تتعرض للاهتزاز في بلاده أو علاقاتها الخارجية، من قبيل مشاركته في قمة العشرين في الأرجنتين، أو جولته العربية على هامشها، لكن الواقع أن محمد بن سلمان تراجع عن خيارات استراتيجية كان قد بدأها في اليمن أو في مواجهة خطة الإزاحة التي تعتمدها إيران ضد السعودية في معظم الدول العربية التي أوجدت إيران لنفسها موطئ قدم، بل راحت إيران وبتواطؤ تركي قطري بملاحقة النفوذ السعودي في مختلف الأرجاء العربية والإسلامية، وعلينا أن نعترف أيضا أن تركيا أردوغان كانت تشتغل لحساب النفوذ الإيراني في حلم تقاسم المنطقة بين ثلاثة أطراف، الأول إسرائيل الممسكة بكل أوراق اللعبة الدولية من خلال سيطرتها على المؤسسات الحاكمة والمالية والإعلامية في كل من الولايات المتحدة وأوربا الغربية وروسيا، وتمكنت من تسخير هذه الأدوات لتحقيق حلم إسرائيل بدولة من النيل إلى الفرات، وهكذا نلاحظ أن الدول العربية وحدها هي المهددة جغرافيا وسياسيا بالمشروع الإسرائيلي التوسعي وليس أي طرف آخر، بل يرى العالم أن وجود إسرائيل في هذه البقعة من العالم ضمانة له في تأمين السيطرة على ثرواتها والتحكم بشعوبها عبر القبضة العسكرية الضاربة التي وضعت تحت السيطرة الإسرائيلية.

رجب طيب اردوغان – الرئيس التركي


والثاني حلم تركيا الأردوغانية بإقامة الإمبراطورية الجديدة التي تعيش أحلام الدولة العثمانية، خاصة بعد أن وصل كل حكام الجمهورية التركية التي أقامها كمال أتاتورك إلى طريق مسدود في الانضمام إلى الاتحاد الأوربي بل والقارة الأوربية، من حيث الانتماء السياسي والاقتصادي وحتى الجغرافي، هنا علينا ألا نلتفت إلى استعراضات أردوغان في مؤتمر دافوس وتركه لقاعة الاجتماعات بسبب اختلاف مفتعل مع شمعون بيرس ثم إرسال سفينة مرمرة للمساعدات إلى قطاع غزة والتي وظفها الإعلام القطري على أنها أكبر غزوة عربية إسلامية لفلسطين وغير ذلك من الخطوات المتناثرة هنا وهناك، وكأنها البيان الأول لمباشرة المشروع العثماني الجديد، فهناك تنسيق على مستوى عال بين أنقرة وتل أبيب على أدق التفاصيل عززه التحالف الثلاثي أو الرباعي بين تركيا وإيران وروسيا بشأن أوضاع سوريا ومن خلف الستار تبدو يد اللاعب الإسرائيلي وكأنها تحرك دمى مسرح العرائس في المنطقة يؤكد ذلك الضربات الجوية لأهداف منتخبة في سوريا من دون أن تتحرك القوة الصاروخية الروسية التي لا يعرف أحد لماذا جيء بها هناك.
لقد استقطب أردوغان جمهورا عربيا وإسلاميا واسع النطاق من اتقانه بعض الحركات الاستعراضية التي أجادها من ماضيه في أسواق اسطنبول وخطبه في المساجد، ثم تلقفتها جهات مرتبطة به فسوقتها في الإعلام العربي وخاصة من قبل قطر وقناة الجزيرة وأخواتها، فكان انتقال الاقتصاد التركي على مستوى العالم من درجة التخلف إلى درجة متقدمة، فرصة طرح النموذج التركي باعتباره الأصلح للأمة، وكأن هذه الانجازات الخاصة بتركيا هدية خالصة لوجه الله ومقدمة عربون صداقة عربية، وبكل تأكيد تحقق لأردوغان ما كان يطمح به من زعامة أرادها البسطاء وكأنها لموازنة الدور الإيراني العدواني التوسعي في المنطقة والذي يحمل نفس أهداف الاحتلال الصفوي لبغداد عام 1508، على اعتبار أن تركيا دولة سنية سبق وأن اضطلعت بمهمات مواجهة الاحتلالات التي تعرضت لها أراضٍ عراقية أيام الدولة العثمانية وخاصة ما حصل على يد السلطان سليم الأول الذي طرد الصفويين من بغداد الذين فتكوا بأهلها السنة وحولوا مساجدهم ومزاراتهم إلى اسطبلات للحيوانات، وما كان لهذا البريق الذي تحقق لأردوغان أن يصبح بهذا الشكل لولا أن الساحة العربية قد خلت بغياب صدام حسين رحمه الله والذي تضافرت عليه قوى الشر من كل مكان ولعل أكثرها إيلاما طعن خناجر الأشقاء العرب وتحملهم تكاليف قتل الأخ الشقيق الذي كان سياجهم بوجه المخاطر التي تتهددهم فخلت الساحة العربية من أي زعيم عربي ومسلم منذ رحيل صلاح الدين الأيوبي.
والثالث طموح عدواني لا حدود له لإيران ليس في التحكم بمصير العرب فقط بل بحكم العالم الإسلامي، استنادا إلى قناعة يروج لها زعماء إيران الحاليون من أن الدور قد حان لقيام دولة “إسلامية” بقيادة فارس، بعد أن أخذ العرب دورهم كاملا لقيادتها ثم جاء من بعدهم الاتراك العثمانيون، فلماذا لا يحق للإيرانيين أن يحلموا بذلك ولماذا يستكثر عليهم العرب وغيرهم من الأقوام ذلك الحلم؟ لكن علينا أن ننتبه إلى أن إيران تمتلك مشروعا مختلفا عن كل ما سبقه من مشاريع أخرى، فهو من جهة يتدخل في عقائد المسلمين من غير الشيعة، بل حتى من الشيعة الذين لا يؤمنون بولاية الفقيه، ويمارس معهم اضطهادا وحروبا في حياتهم ورزقهم وحريتهم ويمنع عنهم كل مستلزمات الحياة ما لم يتخلوا عن عقيدتهم الدينية، وحتى أولئك المتحولين تبقى الشكوك تلاحقهم وما أسهل من اتهامهم بالتقية أو النفاق، ومن جهة أخرى فإن إيران استطاعت أن تكوّن لها مستعمرات في الوطن العربي والعالم الإسلامي تحت مسميات دور العبادة كالحسينيات مثلا التي تحظى برعاية دولية على اعتبار أن التصدي لها يعد خرقا للإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي يكفل حرية الاعتقاد والتعبد وحرية إقامة مراكز العبادة، يضاف إلى ذلك أنشطة السفارات الإيرانية والمراكز الثقافية والسياحية المرتبطة بها، إضافة إلى تأسيسها للأحزاب والمليشيات المسلحة.

تميم بن حمد – امير قطر


لكن ما يبقى عصيا على فهم كثير من المراقبين للمشهد، هو موقف قطر من السعودية وهذا الغل والحقد الدفينين الذي تحمله هذه الإمارة الصغيرة على دولة شقيقة وترتبط معها بأكثر من رابط من قبيل رابط الجوار والمشاركة في عضوية مجلس التعاون الخليجي؟ هل تصح في زمننا أحاديث العجائز عن وجوب الحذر من حقد البدوي الذي لا ينسى ثأره ولو بعد زمن طويل؟ وما هو الثأر الذي تحمله أسرة آل ثاني على العائلة السعودية؟ وكيف لنا أن نفسر تلك المشاهد الودية التي كان حكام الخليج العربي يلتقون ببعضهم في مؤتمراتهم الجماعية أو الثنائية؟ هل مظاهر كاذبة مخادعة تخفي تحت العباءة أكثر من خنجر مسموم؟ لكن المؤكد أن قطر وتركيا تحولتا إلى أكبر مسوّق للسياسة الإيرانية في مواجهة التصدي العربي على الرغم من أنه في أضعف حالاته.
التنازلات التي قدمها العرب وخاصة المملكة العربية السعودية التي شعرت بوطأة الضغوط الدولية عليها وخاصة من الولايات المتحدة والاتحاد الأوربي وبريطانيا خاصة، دفعت تلك الضغوط المملكة العربية السعودية للتراجع في الملف اليمني إلى حد القبول بتوافق لا قيمة له لا من الناحية الميدانية ولا من الناحية الإنسانية ولا من الناحية الاستراتيجية، حتى بدا ذلك جليا من خلال الإشادة اللافتة للمبعوث الدولي إلى اليمن “غريفيث” بالأمير محمد بن سلمان وبجهوده التي مكنّت من التوصل إلى الاتفاق اللااتفاق، لأنه قدم للحوثيين تنازلات في الحديدة وعجز عن حل قضية إنسانية يعاني منها أكثر من ثلاثة أرباع مليون نسمة هم سكان مدينة تعّز، لمجرد أنها لا تشرف على خطوط الملاحة الدولية التي تهتم بها بريطانيا وغيرها من الدول التجارية في العالم.

مؤتمر المشاورات بين اطراف النزاع في اليمن والذي عقد بالسويد

من المؤكد أن هناك تنازلا لا تخفيه العين، ولكن هل سيكون هذا آخر تنازل على السعودية وولي عهدها أن يقدمه؟ من المعروف أن واحدا من أهداف الحرب النفسية والباردة، هو إجبار العدو على أن يتصرف بالكيفية التي يرسمها له عدوه، فهل وصل الحال بالسعودية إلى هذا الحد؟ أقولها وعلى الرغم من كل مأسي الماضي القريب ووقع الخنجر السعودي في ضرب العراق ومن ثم احتلاله عام 2003، إلا أن الموقف القومي والإسلامي لا يجب أن يجعلنا أن نتراصف مع أعداء الأمة.

د. نزار السامرائي

عميد الاسرى العراقيين

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى